Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المكتبة الاكترونية

قصة من أروع قصص الوفاء والشهامة.. رجل أنقذ صاحبه فعاد إليه المعروف بعد سنوات

قصة من أروع قصص الوفاء والشهامة.. رجل أنقذ صاحبه فعاد إليه المعروف بعد سنوات … تتناقل كتب التراث العربي قصصًا كثيرة عن الوفاء والشهامة ورد الجميل، لكن بعض القصص تظل عالقة في الذاكرة لأنها لا تروي مجرد موقف عابر، بل تكشف كيف يمكن لمعروف صغير في لحظة شدة أن يعود إلى صاحبه بعد سنوات، وفي وقت لم يكن يتوقع فيه النجاة.

ومن أشهر القصص المتداولة في هذا الباب قصة العباس، صاحب شرطة الخليفة المأمون، والرجل الشامي الذي أنقذه من الموت، وهي قصة تقوم على سلسلة عجيبة من المواقف التي جمع بينها الوفاء والمروءة وحفظ الجميل.

بداية القصة.. سجين ينتظر الموت

قصة من أروع قصص الوفاء والشهامة.. رجل أنقذ صاحبه فعاد إليه المعروف بعد سنوات
قصة من أروع قصص الوفاء والشهامة.. رجل أنقذ صاحبه فعاد إليه المعروف بعد سنوات

يروي العباس، وكان صاحب شرطة الخليفة المأمون العباسي، أنه دخل يومًا إلى مجلس المأمون في بغداد، فرأى بين يديه رجلًا مكبلًا بالحديد، وقد غابت ملامح وجهه تقريبًا من شدة ما تعرض له من الضرب والتعذيب.

فقال له المأمون:

«يا عباس، خذ هذا إليك فاستوثق منه واحترز عليه كل الاحتراز، وأحضره لي صباحًا لأقطع رأسه».

أخذ العباس الرجل، وكان عاجزًا عن الحركة بسبب ما أصابه من أذى، فأمر الحراس بنقله إلى داره حتى يتمكن من حراسته جيدًا، ثم عاد إلى عمله مع الخليفة.

لكن العباس لم يكن يعلم أن هذا السجين الذي ينتظر الموت في صباح اليوم التالي سيكشف له بعد ساعات عن معروف قديم ظل يبحث عن صاحبه سنوات طويلة.

سؤال بسيط كشف سرًا قديمًا

عندما عاد العباس إلى منزله، أراد أن يعرف هوية الرجل الذي أصبح تحت حراسته.

اقترب منه وسأله:

من تكون أيها الرجل؟

أجابه بصوت خافت بأنه رجل من أهل الشام.

فسأله العباس عن رجل يعرفه في الشام، كان قد ارتبط معه بقصة قديمة.

هنا تغيرت ملامح السجين، وسأل العباس باستغراب:

ومن أين تعرفه؟

أجابه العباس بأن له معه قصة عجيبة، لكن الرجل رفض أن يحدثه عنه قبل أن يسمع تلك القصة.

وهنا بدأ العباس يستعيد أحداثًا مضى عليها سنوات.

عندما كان العباس هاربًا من الموت

كان العباس في وقت سابق صاحب شرطة في الشام، وفي إحدى الفتن اندلعت ثورة قُتل خلالها الوالي.

وجد العباس نفسه ملاحقًا من جماعة أرادت قتله، فهرب من أعلى سور القصر، وظل يركض في الأزقة والدروب حتى تمكن من الإفلات منهم.

وفي أثناء هروبه، وصل إلى رجل كان جالسًا أمام منزله.

لم يكن يعرفه، ولم تكن بينهما معرفة سابقة، لكنه وقف أمامه في لحظة لم يكن فيها أمامه إلا طلب النجدة.

قال له:

«أغثني أغاثك الله!»

فما كان من الرجل إلا أن أجابه دون تردد:

«لا بأس عليك، ادخل الدار».

دخل العباس المنزل، وأشارت إليه زوجة الرجل إلى مكان خفي يختبئ فيه، فدخل إليه.

وبعد لحظات وصل المطاردون إلى المكان، وصاحوا بالرجل:

«العباس عندك والله!»

لكن الرجل لم يتراجع ولم يحاول تسليم ضيفه، بل قال لهم بثبات:

«دونكم الدار ففتشوها».

شهامة رجل لم يعرف العباس من قبل

دخل المطاردون المنزل وفتشوا أرجاءه، حتى وصلوا إلى المكان الذي اختبأ فيه العباس.

وحين ظنوا أنهم وجدوه، تدخلت المرأة بحزم، فاستحوا وانصرفوا.

بعد أن غادروا، خرج الرجل وطمأن العباس، وقال له إن الله صرف عنه شرهم، وإنه أصبح في أمن وأمان.

لم يكن ذلك الرجل يعرف العباس معرفة سابقة، ومع ذلك خاطر بإخفائه وحمايته من الموت.

ولم يتوقف كرمه عند إنقاذه.

أربعة أشهر من الكرم

أقام العباس عند الرجل وزوجته نحو أربعة أشهر، عاش خلالها في راحة وأمان، ولم يشعر أنه ضيف ثقيل أو شخص هارب يحتاج إلى من يذكره بما قدم له.

وبعد أن هدأت الفتنة وزال خطرها، أخبر العباس مضيفه بأنه يريد العودة إلى أهله في العراق.

قال له الرجل إن قافلة ستغادر بعد ثلاثة أيام، ووعده بإخباره بموعد انطلاقها.

وجاء اليوم المحدد، لكن العباس بدأ يفكر في أمر لم يكن قد حسب حسابه: كيف سيعود إلى العراق وهو لا يملك المال؟

مفاجأة لم يكن يتوقعها

بينما كان العباس غارقًا في التفكير، دخل عليه الرجل ومعه حزام وسيف، وقال له إن معه خمسمائة دينار لينفق منها في الطريق، وسيفًا يدافع به عن نفسه، وفرسًا ليركبها، وخادمًا لخدمته، وبغلًا محملًا بنفائس من الشام هدية إلى أهله.

ولم يكتفِ الرجل بذلك، بل أقبل هو وزوجته يعتذران للعباس عن أي تقصير في حقه.

كان ذلك المعروف كبيرًا إلى درجة أن العباس لم ينسه طوال حياته.

ومنذ ذلك اليوم ظل يبحث عن الرجل، راغبًا في رد شيء من جميله.

لكنه لم يكن يعلم أن القدر سيضعهما أمام بعضهما مرة أخرى، وفي ظروف مختلفة تمامًا.

«يا عباس.. أنا هو ذلك الرجل»

عندما أنهى العباس روايته، نظر السجين إليه والدموع في عينيه، وقال:

«يا عباس.. أنا هو ذلك الرجل!»

لم يصدق العباس في البداية.

أمعن النظر في وجه الرجل المثخن بالجراح، فاكتشف أنه بالفعل الرجل الذي أنقذه قبل سنوات، لكن آثار التعذيب والضرب كانت قد غيرت ملامحه حتى لم يتعرف إليه من اللحظة الأولى.

عندها لم يتمالك العباس نفسه، وارتمى عليه يقبل رأسه ويديه.

لقد أصبح الرجل الذي أنقذ حياته يومًا سجينًا ينتظر تنفيذ حكم الموت.

العباس يقرر رد الجميل مهما كان الثمن

أرسل العباس إلى حداد فكسر قيود الرجل، وأدخله الحمام ليغتسل، وألبسه من أفضل ثيابه.

ثم أعطاه ألف دينار وسيفًا، وقال له إن فرسه مسرجة، وطلب منه أن يهرب وينجو بنفسه، بينما يبقى العباس لمواجهة المأمون بدلًا منه.

لكن الرجل رفض.

قال له العباس إن حياته في خطر، وإن الفرصة أمامه للنجاة، لكنه أجاب بما يكشف معدن الوفاء الحقيقي:

«والله لا أفعلها».

وأوضح أنه إذا هرب، فإن العباس سيدفع حياته ثمنًا لذلك، وهو لا يستطيع أن يشتري حياته بموت الرجل الذي حاول إنقاذه.

الوفاء يقابل الوفاء

ألح العباس عليه، لكنه أصر على موقفه.

وبعد ذلك اقترح عليه أن يبقى في منزله بأمان، وأن يذهب هو إلى المأمون ويلتمس منه العفو، فإذا نجح نجا الرجل، وإذا لم ينجح عاد إليه.

وافق الرجل على ذلك.

أما العباس، فذهب واشترى كفنًا وحنوطًا، وكأنه كان يستعد لكل الاحتمالات.

وفي صباح اليوم التالي، جاء رسول المأمون يطلب السجين.

حمل العباس الكفن معه، ودخل على الخليفة.

المأمون يسمع القصة كاملة

كان المأمون غاضبًا، وسأل العباس مباشرة:

«أين الرجل يا عباس؟»

حاول العباس أن يطلب منه الاستماع أولًا، لكن المأمون هدده بأنه إن كان الرجل قد هرب، فسوف يقتل العباس مكانه.

عندها بدأ العباس يروي القصة من بدايتها.

حدثه عن الرجل الذي آواه في الشام، وكيف أنقذ حياته وهو لا يعرفه، وكيف استضافه أشهرًا، ثم أعطاه المال والفرس والسلاح والخادم والهدية عندما أراد العودة إلى العراق.

ثم أخبره بما حدث عندما اكتشف أن السجين هو الرجل نفسه، وكيف حاول أن يفتديه بحياته.

استمع المأمون إلى القصة حتى نهايتها.

«لا أريد أن أكون أقل مروءة منكما»

تغير وجه المأمون عندما سمع القصة، واغرورقت عيناه بالدموع.

ثم قال للعباس، بمعنى الرواية المتداولة:

«والله لا أعلم أيكما أكرم وأشهم؟»

فهذا الرجل كان قد آوى العباس وأنقذه من الموت دون معرفة سابقة، والعباس أصبح مستعدًا بعد سنوات لأن يضحي بحياته من أجله.

ثم أعلن المأمون عفوه عن الرجل، وقال إنه لا يريد أن يكون أقل منهما مروءة ووفاء.

وعندما علم أن الرجل موجود في دار العباس، طلب منه أن يحضره إليه حتى يكافئه بنفسه.

نهاية القصة.. المعروف يعود إلى صاحبه

عاد العباس مسرعًا إلى الرجل وبشره بالعفو.

فخر الرجل ساجدًا، حامدًا الله على ما حدث.

ثم اصطحبه العباس إلى مجلس المأمون.

وعندما مثل الرجل بين يدي الخليفة، أكرمه المأمون وأمر له بعشرة أفراس بسروجها ولجمها، وعشرة أبغال بآلاتها، وعشر بُدر من المال، وعشرة آلاف دينار.

كما كتب إلى عامل الشام بالوصية به، وإسقاط خراج أرضه، وتعيينه كاتبًا للخليفة هناك.

وأصبح الرجل صاحب مكانة، واستمرت مراسلاته مع المأمون.

وكان الخليفة، كلما وصلته رسالة منه، يلتفت إلى العباس مبتسمًا ويقول:

«يا عباس، هذا كتاب صديقك!»

وهكذا انتهت القصة التي بدأت برجل هارب من الموت، وانتهت بصديق نجا من الموت أيضًا، وكأن المعروف الذي زرعه صاحبه في الماضي عاد إليه في اللحظة التي كان أحوج ما يكون فيها إلى النجاة.

ما الذي تعلمنا إياه قصة الوفاء والشهامة؟

بعيدًا عن تفاصيل الرواية ومكانتها في كتب التراث، تحمل القصة مجموعة من المعاني الإنسانية التي تجعلها جديرة بالتأمل.

المعروف لا يضيع

قد يقدم الإنسان معروفًا لشخص ولا ينتظر منه شيئًا، وربما ينسى الموقف بعد سنوات. لكن أثر المعروف قد يبقى في حياة صاحبه أو في حياة الآخرين مدة طويلة.

الوفاء يظهر وقت الشدة

الكلمات الجميلة سهلة في أوقات الراحة، لكن المواقف الصعبة هي التي تكشف حقيقة الإنسان.

الرجل الشامي أنقذ العباس عندما كان مطاردًا، والعباس حاول لاحقًا أن ينقذه عندما أصبح في خطر.

لا تقلل من قيمة المعروف الصغير

قد يكون موقف بسيط بالنسبة إلى صاحبه، لكنه يمثل الكثير لشخص يمر بأزمة. كلمة طيبة، مساعدة، ستر، أو وقوف إلى جانب إنسان في وقت الشدة قد تترك أثرًا لا ينسى.

الشهامة ليست مرتبطة بالمال

ما فعله الرجل الشامي لم يبدأ بالمال، وإنما بدأ بإيواء إنسان خائف وحمايته من الخطر.

ثم جاء المال والهدايا لاحقًا، لكن القيمة الحقيقية كانت في الموقف نفسه.

العبرة من القصة

تختصر هذه القصة معنى جميلًا من معاني المروءة: افعل الخير لأن الخير قيمة في ذاته، ولا تجعل انتظار المقابل شرطًا لفعل المعروف.

فقد لا تعرف متى يعود إليك أثر ما قدمته، ولا من أين تأتيك المساعدة عندما تحتاج إليها.

وقديمًا قيل في معنى قريب من ذلك: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء»؛ أي أن ما يزرعه الإنسان من خير في حياة الآخرين قد يكون سببًا في نجاته يومًا ما.

والأجمل في القصة أن الوفاء لم يكن من طرف واحد؛ فكما حفظ الرجل الشامي معروفه مع العباس، حفظ العباس معروف الرجل، حتى أصبح كل واحد منهما مستعدًا للتضحية من أجل الآخر.

وهذه هي المروءة في صورتها الأجمل: أن تفعل الخير عندما لا يراك أحد، وأن تحفظ الجميل عندما تمضي السنوات، وأن ترد الإحسان عندما تأتي الفرصة، حتى لو كان ثمن ذلك غاليًا.

«هل جزاء الإحسان إلا الإحسان»

 

.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock