مرحلة رياض الاطفال

العنف المنزلي بعض عناصر التعريف و التشخيص

العنف المنزلي بعض عناصر التعريف و التشخيص

العنف المنزلي بعض عناصر التعريف و التشخيص

العنف المنزلي بعض عناصر التعريف و التشخيص

المناهج السعودية

العنف المنزلي بعض عناصر التعريف و التشخيص

الطابع الإشكالي لمفهوم العنف
إن مفهوم العنف تشكل تدريجيا في المعاجم اللغوية، وأيضا في الدراسات والاختصاصات الفكرية والميدانية التي تناولته، حيث انفصل في الفكر المعاصر عن مجال الطبيعة والآلهة، وأصبح يعرف باعتباره ظاهرة خاصة بالإنسان ككائن اجتماعي, يتفاعل مع غيره, ضمن صراعات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ويؤكد الباحثون الذين تناولوا موضوع العنف أن اللبس الذي أحاط بمحاولات التعريف، يعود من جهة إلى تعدد دلالات المفهوم، وتنوع المضامين التي يشير إليها، ومن جهة أخرى إلى اختلاف المنطلقات والتخصصات المعرفية التي تناولته حيث يمكن أن ينظر إليه من زوايا مختلفة:
o الزاوية السيكولوجية:
يبدو العنف كتعبير عن انفعال، أو انفجار للقوة, يتخذ صيغة لا تخضع للعقل، فيظهر في شكل سلوك عدواني، حيث يعرفه العديد من علماء النفس بأنه نمط من السلوك الذي ينتج عن حالة إحباط يكون مصحوبا بعلامات توتر، ويحتوي على قصد إلحاق الضرر بكائن حي أو شيء بديل عن كائن حي، إنه يتحدد كاستجابة لمثير خارجي تتجلى في شكل فعل يكون مشحونا بانفعالات الغضب والهياج والمعاداة ويرتبط بتحكم غريزة الموت والعدوانية لدى الفرد.
o -الزاوية الأخلاقية:
يعرف العنف كاعتداء على ملكية الآخر وحريته، ويتجلى هذا التعريف أساسا في مواقف بعض الفلاسفة، وكذلك في الخلفية النظرية للقوانين ولأدبيات حقوق الإنسان
o . -الزاوية السياسية:
يعرف العنف كاستخدام للقوة، من أجل الاستيلاء على السلطة أو الحفاظ عليها، أو استغلالها في تحقيق أهداف مشروعة أو غير مشروعة، ويبرز هذا التصور في العديد من النظريات السياسية والفلسفية التي ربطت العنف بالصراعات الاجتماعية بين الفئات أو الطبقات ذات المصالح المتنافرة، كما يتجلى في المقاربات الاجتماعية والفلسفية المعاصرة، التي تعتبر العنف نتاجا للدينامية الاجتماعية, ولتفاعل مجموعات من الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، الذين تربطهم علاقات قوة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية غير متكافئة.
إن تباين المنطلقات المعرفية التي تناولت موضوع العنف قد أبرز الطابع الإشكالي للمفهوم حيث طرحت صعوبات أمام تسمية أعمال العنف ومعايير تقويمها، مما يجعل أي محاولة للتعريف تظل مشروطة بحقل معرفي معين وبإطار تاريخي وثقافي محدد.

بعض محاولات التعريف
يمكن اعتبار أن تطور الفكر الفلسفي والسياسي قد ولد المفهوم الحديث للعنف، فالبعد الأخلاقي للفلسفة المعاصرة قد تحدد في الدفاع عن الحرية والتسامح ونبذ العنف، حيث يعرف العنف كإلغاء للعقل ورفض للحوار واستبعاد /إقصاء للآخر من هذا المنظور يمكن القول إن القوة – بمختلف معانيها- تصبح عنفا عندما ترتبط بالإكراه، مما يفترض أننا لا نستعمل مفهوم العنف إلا عندما نكون أمام وضعية صراع/ نزاع تمارس فيها بشكل إرادي واع أفعالا “قوية” من طرف أو أطراف تمس أمن و سلامة طرف أو أطراف أخرى، إن العنف كمفهوم معاصر يتحدد إذن ً كسلوك قسري غايته الحد أو الوقوف في وجه حرية الآخر بوصفها تحقيقاً دينامياً للذات .
لكن هذا المضمون الكوني المعاصر الذي اتخذه مفهوم العنف، يطرح إشكالاً مرتبطاً بتصور الحرية، وبالضوابط الاجتماعية المنظمة لها، إذ أنها ( أي الحرية ) قد تكون تعبيراً عن استعمال القوة للحصول على امتيازات من طرف آخر، دون مراعاة لرغبته وإرادته، بهذا المعنى، قد تصبح تعسفا على حرية أخرى.

إن الحرية ضمن هذه الشروط قد تصبح آلية للحصول على امتيازات معينة لصالح المعنف أو الطرف الأقوى, في وضعية اجتماعية معينة، فتبدو كتجلي لممارسات ” تسمح بنوع من الاقتصاد في المجهود والكلام، لتحقق بصورة سريعة تعسفية، ما قد يعجز بعض الأفراد أو الجماعات عن الحصول عليه بالحوار والإقناع والتفاوض”.
يصبح تحديد مفهوم الحرية هو الآخر خاضعا لموازين القوى وللصراعات الاجتماعية القائمة داخل مجتمع إنساني معين، إن الحرية قد لا تنفي القوة ولكنها تقننها وتنظمها، كما يتجلى في تعريف معجم لالاند للعنف, إذ يحدده “كاستخدام غير مشروع أو غير قانوني للقوة”.
نلاحظ أن مفهوماً ثالثاً يبرز في تحديد مفهوم العنف, هو مفهوم المشروعية، لكن كيف يمكن تحديد معيار المشروعية ؟ هل يمكن اعتبار القانون كمعيار للمشروعية ؟ و هل يمكن الاستناد في هذا الشأن على القانون الدولي, أو القوانين المحلية, أو التشريعات الفقهية مثلا أو الأعراف والتقاليد السائدة ؟ أو على الخلفيات الإيديولوجية للأنظمة السياسية القائمة ؟

العنف “المشروع “والعنف “غير المشروع”
ما يثير اهتمامنا بهذا الصدد هو تمييز بعض الباحثين بين العنف “المشروع “والعنف “غير المشروع”, بين العنف الهادف إلى إلحاق الظلم بالإنسان وقهره, والعنف الثوري الرامي إلى تحرير الإنسان من الظلم والاستغلال بين العنف المحمود” والعنف المذموم.
إذا كانت التصنيفات التقويمية للعنف، التي أفرزها الفكر الغربي المعاصر، تعتمد على الغاية السياسية المستهدفة من استعمال القوة، ففي إطار ثقافي وحضاري مغاير يستند على بعض مرتكزات التراث الإسلامي, نصادف حضوراً لتصنيفات تربط العنف بالمجال الديني والاجتماعي، حيث يعتبر أحد الفقهاء المعاصرين أن ” العنف عنفان: مذموم ومحمود، فالمذموم يسبب الضرر والأذى والظلم والفساد، والمحمود يأتيه الصديقون والصالحون “.
واعتماداً على مصادر ابن تيمية، يقدم تعريفا نظريا للعنف المحمود باعتباره ” وسيلة للترويض وينبع من مبدأ الذكورة” حيث يقول:
“إن الدين والسياسة والعائلة من ناحية الترويض السياسي تنبع من مبدأ الذكورة، فالعنف بما هو وسيلة للترويض يقع موقع المركز من المؤسسات الأربع: الأبوة، والحكم، والزوجية، والألوهية, مستشهداً بالربط الذي يقيمه ابن تيمية بين الإمام ورب العائلة، مؤكداً أن العنف التأديبي مثلا لا يقوم به إلا من أوكل لهم أمر التأديب والإصلاح أعني الآباء والأزواج والأسياد، وهو ما يتفق مع مبدأ الذكورة.”
وإذا كان العنف المذموم أو غير المشروع يحدد حسب هذا المنظور في الانتهاك والتعدي والضرر, ويتجلى في الأعمال المنافية والمعارضة للأحكام والنظام الاجتماعي “كالزنا والانتحار، والضرب والجرح و الحروب والكفر والارتداد “، فإن العنف ” المحمود” أو المشروع يعد قيمة إيجابية، حيث أنه يؤدي من خلال استعمال القوة, “إلى إصلاح ما فسد ” ويساير بالتالي نظام التشريع.
ويذهب هذا الباحث إلى التمييز في أصناف العنف بين ” العنف المناضل” و”العنف الزاجر” و”العنف التأديبي” “والعنف الجابر” حيث يدرج ضمن العنف الزاجر، كل السلوكات الاجتماعية التي تقتضي تدخل القانون والقضاء، أي عنف الدولة، وضمن العنف التأديبي السلوكات الصادرة عن الرجل لإقرار “النظام” والإصلاح والتأديب ضمن الأسرة.

نلاحظ أن المقاربات المعاصرة للعنف – رغم اختلافها – تلتقي في إثارة علاقة العنف بالنظام والقانون من جهة, وبالحرية من جهة أخرى، كما أن التقابل في الفكر الفلسفي والسياسي بين العنف المشروع “الإيجابي”, والعنف اللامشروع “المرفوض والسلبي”, يكشف لنا عن الأسس الثقافية والسياسية لتعريف العنف، كما وضح ذلك جورج سوريل منذ القرن 19م.
يتبين أن تعريف العنف لا ينفصل عن الوعي به.إن أية محاولة للتعريف, لا ينبغي أن تتجاهل العلاقة الوثيقة عبر التاريخ الإنساني, بين العنف والتمثلات أو التصورات المحيطة به، فالنقاشات المحيطة بالعنف تجد مبرراتها في غياب الاتفاق حول مفهوم العنف, أو على الأصح في الطابع الإشكالي لهذا المفهوم.
إن التفكير في العنف إذن، لا يمكن أن ينفصل عن مظاهره وشروطه وغاياته، وعن المواقف التي يتطلبها والإجابات التي يستدعيها، فكل تعريف يلائم سلماً من القيم والمعايير الثقافية، وينطلق من سلوكات سائدة مقبولة أو مرفوضة اجتماعياً وثقافياً.
هذا الطابع الإشكالي، يدعونا إلى تحديد مجال مساهمتنا، من خلال تعيين وضعية العنف التي نسعى إلى تعريفها، لدى فئة يستهدفها العنف بمختلف تجلياته وأبعاده، وهي فئة النساء وداخل إطار محدد لعلاقة اجتماعية حميمية وهي العلاقة الزوجية التي تقوم على الاختيار والإرادة الحرة للفرد لكنها تخضع لإكراهات ثقافية ومؤسسية قاهرة.
تندرج محاولة التعريف التي نقترحها في إطار هذه المساهمة ضمن المحاولات الممكنة، وتستحضر الصعوبات التي يطرحها تعريف العنف، فلا تدعي الإحاطة الشاملة أو الدقة المتوخاة في مسألة التعريف بقدر ما تهدف إلى تقديم بعض المؤشرات المحيطة بوضعية العنف في العلاقة الزوجية ، انطلاقاً من تجربة ميدانية مكنتنا من الإطلاع على تجارب متنوعة للعنف، سنحاول من خلالها إثارة أسئلة حول تصور العنف وذلك اعتماداً على مرجعية تتبنى سلما محددا من القيم الأخلاقية المنبثقة من روح فلسفة حقوق الإنسان.

العنف ظاهرة كونية
إذا كان العنف -كما تم تعريفه عموما – يعبر عن وجود علاقات سلطة وصراع بين أطراف متعارضة المصالح، فإن الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية، تؤكد أن الصراع بين الجنسين شكل أولى مظاهر الصراع الاجتماعي داخل المجتمع البشري، وقد أدى ذلك الصراع، حول النفوذ الاقتصادي والسياسي، وبالتالي حول المكانة الاجتماعية، إلى إفراز أدوار متمايزة، وصور اجتماعية ترسم حدود الهيمنة والخضوع لكل طرف من أطراف ذلك الصراع .
شكلت هذه الأرضية الاجتماعية والثقافية مجالا لممارسة العنف ضد النساء، كما تؤكد ذلك الأبحاث المعاصرة، فبالإضافة إلى كونه ظاهرة تاريخية، لازمت تطور الإنسانية, يعد العنف ضد النساء ظاهرة عالمية تخترق كل المجتمعات والطبقات الاجتماعية، حيث تبين لنا دراسة ميدانية معاصرة قام بها الباحث الأمريكي LEVINSON حول 90 مجموعة ثقافية تمثل 60 منطقة جغرافية وثقافية عبر العالم، أن العنف يوجد داخل كل تلك المجتمعات، وانه داخل الأسرة يأخذ أشكالا فعلية وملموسة، ويستهدف بشكل أساسي النساء كما بينت نفس الدراسة أن مرتكبي العنف هم في الغالب رجال.

وبين التقرير الأخير الصادر عن المنظمة العالمية للصحة OMS سنة 2002
” أن العنف داخل الأسرة, المرتكب ضد الشريك في إطار علاقة حميمة, يعد من ابرز أشكال العنف انتشارا عبر العالم” كما يبين نفس التقرير أن العلاقة بين المعتدي والضحية تختلف حسب جنس الضحية، فعندما يكون الرجال عرضة للعنف، يكون المعتدي في معظم الحالات، شخصا غريبا عنهم لا تربطه بهم علاقة قرابة أو معرفة, على عكس الوضعية التي تكون فيها النساء ضحايا للعنف, حيث أثبتت الدراسات الميدانية المعتمدة في التقرير بأنه غالبا ما توجد علاقة ارتباط عاطفي أو اقتصادي أو اجتماعي بين المعتدي و المرأة المعنفة، مما يؤثر بطبيعة الحال على دينامية العنف وعلى الاختيارات التي تنهجها النساء لمواجهته.
إنطلاقاً من هذه المعطيات سنقتصر- تجاوزاً- في تعريفنا للعنف المنزلي، على العنف الموجه من الأزواج ضد الزوجات, وذلك من خلال بعض الأدبيات الحقوقية المعنية مباشرة بالعنف ضد النساء، ونترك جانباً مؤقتاً، حالات العنف بين الآباء والأبناء، بين الإخوة، وبين باقي أفراد العائلة.

العنف ضد النساء من خلال بعض أدبيات حقوق الإنسان
تعد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان إنتاجا ثقافيا يكتسي صبغة قانونية، أفرزه المجتمع الدولي في العصر الحديث, كخلاصة لكل ما أنتجته الحضارة الإنسانية من قيم تمجد الإنسان وتحرص على كرامته وتقوم على صيانة حقوق الفرد بغض النظر عن أي تمييز يمكن أن يرتبط بالجنس أو الأصل أو اللون أو الدين، إذ يعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جميع الناس متساويين وأحراراً، ولكل واحد منهم “الحق في الحياة والحرية والأمان على شخصه”
يعرف العنف في الفكر الإنساني الحقوقي كمفهوم مضاد للحرية، وكنفي لحق المواطن في الأمن والسلامة الجسدية والنفسية، وكعائق للمجتمع في تحقيق المساواة والسلم والتنمية، لكن يمكن الإشارة إلى أن مفهوم العنف لا يتحدد من خلال الأدبيات المتعلقة بحقوق الإنسان إلا بالسلب، فهو خرق للحرية ومس بالكرامة الإنسانية وبالاحترام الواجب لشخص الإنسان وانتهاك للحق في الأمن والسلامة، إنه سلوك يقوم على التمييز العنصري أو الجنسي أو الإثني أو الديني, يبرز من خلال بعض الممارسات والسلوكات والوضعيات التي تشير إليه، كالمعاملة القاسية، أو سوء المعاملة أو الحرمان من الحرية أو التعذيب.

إنطلاقاً من هذه المرجعية الكونية المساواتية في عمقها، والهادفة إلى حماية الفرد وضمان حقوقه، يمكننا أن نبحث عن تعريف للعنف، باعتباره حسب تجارب النساء المعنفات، يشكل انتهاكا صارخا لحقهن الإنساني في الاحترام والكرامة والأمن والسلامة .
أ- التمييز ضد المرأة كشكل من أشكال العنف
خصصت الاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة مادتها الأولى لتعريف التمييز الذي ينبني على الجنس، ويلحق ظلما بالمرأة فاعتبرته” أي استبعاد أو تقييد أو تفرقة على أساس الجنس يكون من نتائجه تهوين أو إحباط الاعتراف أو تمتع المرأة بحقوق الإنسان المدنية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية”.
وإذا كانت هذه الاتفاقية لم تتطرق بشكل مباشر لمفهوم العنف، فإنها اعتبرت أنه تعبير عن اللامساواة بين الجنسين, ووضحت مختلف مجالات التمييز التي تشكل مظهراً ونتيجة لتلك اللامساواة، ملزمة الدول الأعضاء في المنتظم الدولي، والمصادقة على الاتفاقية، باتخاذ إجراءات كفيلة بمناهضة التمييز، وبالتالي مناهضة العنف ضد النساء.
لعب تطور الحركات الحقوقية والنسائية عبر العالم دورا حاسما في تنامي الاهتمام بواقع العنف الذي تعيشه النساء في كل المجتمعات، والكشف عن شروط إنتاجه وإعادة إنتاجه، مما جعل لجنة وضع المرأة – ضمن هيئة الأمم المتحدة – تبذل مجهوداً في مسايرة تطور حركة حقوق الإنسان ، وتبلور مشروع وثيقة تتطرق مباشرة لموضوع العنف ضدهن، أضيفت إلى الأدبيات الأممية حول حقوق الإنسان، وصدرت تحت اسم “الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد النساء “.
يمكن اعتماد هذا الإعلان كمرجع معاصر كوني يعكس تطور الفكر الإنساني الفلسفي في بعده الأخلاقي المرتبط بحقوق الإنسان والمناهض للعنف.

ب – الضرر كمعيار لقياس العنف
يعرف الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد النساء في مادته الأولى العنف كالتالي: “يقصد بالعنف ضد النساء أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة جسمية أو نفسية للمرأة، بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل، أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء أوقع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة “.
كما نص الإعلان في المادة الثانية منه على وجوب أن يشمل العنف ضد المرأة (دون أن يقتصر على ذلك) الجوانب التالية :
o أعمال العنف الجسدي والجنسي والنفسي الذي يقع في إطار الأسرة، بما في ذلك الضرب والاعتداءات الجنسية ضد الأطفال الإناث في الأسرة، والعنف المتصل بالمهر ،(استعمال الصداق كثمن للزوجة)، والاغتصاب في إطار العلاقة الزوجية، وبتر الأعضاء التناسلية للإناث (الختان), وغيره من الممارسات التقليدية المؤذية للمرأة، داخل أو خارج العلاقة الزوجية.
o أعمال العنف الجسدي والنفسي والجنسي التي تقع داخل المجتمع بشكل عام، كالاغتصاب، الاعتداءات الجنسية، التحرش الجنسي في أماكن العمل وفي المؤسسات التعليمية وفي أماكن أخرى، والاتجار بالنساء والإكراه على البغاء.
o أعمال العنف البدني والجنسي والنفسي التي تقترفها أو تتغاضى عنها الدولة حيثما وقعت.

إن التعريف الدولي الحقوقي للعنف ضد النساء, يعكس تصورا للعلاقة الزوجية مبنيا على الإيمان بحرية الزوجة كشخص مستقل و مساو للزوج، وما يثير الاهتمام أن هذا التعريف يتصور العنف الزوجي ( والعنف الأسري عموما) كظاهرة تعني الأفراد, لكنها تعني أيضا المجتمع والدولة, إذا كان يحدث داخل البيت, إلا أن آلياته وامتداداته تتجاوز البيت لتظهر في ما يصنفه الإعلان العالمي ” العنف الذي تتغاضى عنه الدولة”, والذي يمارس عبر المؤسسات الثقافية والاجتماعية والقانونية التي تكرس قيم احتقار المرأة وتبرر العنف ضدها .
إن العنف الذي يحدث داخل البيت يكتسب حسب المنظور العالمي الحقوقي طابعاً عاماً, نظرا لآثاره التي تتجاوز الحدود الجغرافية والاجتماعية للعلاقة الزوجية, لتنعكس في الحياة الاقتصادية والصحية لكل أفراد المجتمع, فيكلف تدبيرها الدولة مجهودات بشرية ومالية مهمة. إن العنف الزوجي, حسب هذا المنظور, يعد شأنا عاما رغم أن مناسبة حدوثه هو علاقة خاصة.

وإذا كانت هذه الوثيقة قد أشارت إلى العنف المنزلي من خلال تحديدها لمجال حدوثه (الأسرة)، فإن المنظمة العالمية للصحة التي تتبنى مرجعية حقوق الإنسان قد تطرقت بشكل مباشر لتعريف العنف المنزلي، إذ تمكنت في تقريرها الأخير حول العنف والصحة لسنة 2002, من تجميع معطيات حول ظاهرة العنف عبر العالم, اعتمادا على 84 تقرير, وعلى دراسات علمية متعددة الاختصاصات فخلصت إلى تعريف العنف المنزلي كالتالي:
يقصد بالعنف المنزلي “كل سلوك يصدر في إطار علاقة حميمة, يسبب ضررا أو آلاما جسمية أو نفسية أو جنسية لأطراف تلك العلاقة، ويتعلق الأمر مثلا بالتصرفات التالية:
o أعمال الاعتداء الجسدي كاللكمات والصفعات والضرب بالأرجل.
o -أعمال العنف النفسي كاللجوء إلى الإهانة والحط من قيمة الشريك, وإشعاره بالخجل, ودفعه إلى الانطواء وفقدان الثقة بالنفس.
o -أعمال العنف الجنسي ويشمل كل أشكال الاتصال الجنسي المفروضة تحت الإكراه, وضد رغبة الآخر, وكذا مختلف الممارسات الجنسية التي تحدث الضرر لطرف العلاقة.
o -العنف الذي يشمل مختلف التصرفات السلطوية المستبدة والجائرة, كعزلة الشريك عن محيطه العائلي و أصدقائه, و مراقبة حركاته و أفعاله, والحد من أية إمكانية لحصوله على مساعدة أو على معلومات من مصدر خارجي.”

نلاحظ أن هذا التعريف, المستند على خلفية حقوقية تؤمن بالمساواة بين طرفي العلاقة الزوجية, قد حاول، من خلال المعطيات الميدانية المتنوعة التي اعتمد عليها، أن يلم بمختلف مظاهر العنف المسلط على الزوجات، لكنه اعتمد في توضيح طبيعته على معيار الضرر الذي يلحق بضحية العنف، مما يثير تساؤلنا حول دقة هذا المعيار في تعريف العنف الزوجي، فهل يمكن الاعتماد على مشاعر الألم الناتجة عن أعمال العنف لقياسه ؟ و هل يمكن القيام برصد ه انطلاقا من تصريحات المرأة المعنفة، أم من إقرار المختص في مجال الطب والقانون مثلا؟ أم اعتمادا على ملاحظة الباحثين؟
إن الصعوبة التي تفرض نفسها في محاولات تعريف العنف الزوجي وتصنيفه تبرز أكثر إذا استحضرنا أن الظاهرة تحمل بعدا ذاتيا، قد لا يدركه الباحث الذي يسعى إلى رصد السلوك، حيث تعجز اللغة غالبا عن اختزال معاناة متشعبة ومؤلمة ضمن خطاب موضوعي وتصنيفات منهجية دقيقة، فمن خلال ملاحظتنا للعنف الزوجي عبر بعض التجارب الخاصة, تتبين لنا صعوبة وصف وضعية العنف التي تعيشها زوجة معينة، بالاعتماد على الآثار الخارجية, أو على تصريحات الضحية، كما يتبين للباحثين والممارسين في مجال العنف ضد النساء أنه من الصعب مثلا الفصل بين الجانب النفسي والجسدي والجنسي والثقافي في وضعية العنف التي قد تتعرض لها المرأة.
هذه الملاحظات تدعونا إلى البحث في تعريف العنف الزوجي، اعتمادا على بعض التجارب الواقعية للعنف الزوجي وانطلاقا من تصريحات النساء المعنفات زائرات مراكز الاستماع بمدينة الدار البيضاء.

العنف الزوجي من منظور الزوجات المعنفات
إعتماداً على ملاحظة حالات العنف الزوجي المعروضة على مراكز استقبال النساء ضحايا العنف التي تأسست في مدينة الدار البيضاء منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي، يمكن الكشف عن بعض مظاهر العنف، كما تعيشها وتعبر عنها النساء الوافدات على تلك المراكز، فالشهادات المستقاة من هذه المراكز، تساعدنا في تأسيس عناصر لتعريف إجرائي ” واقعي” مرتبط بتجارب خاصة، في واقع اجتماعي معين، ننطلق منه لتعميق التفكير في مسألة تعريف العنف.

شهادات
1-“تأخرت خارج البيت لقضاء بعض الحاجيات، عندما عدت وجدته بالمنزل، أمسكني من شعري وجرني إلى غرفة النوم وهو يصرخ في وجهي بالسب والشتم، يتهمني بالخيانة، عندما واجهته بالإنكار كبل يدي ورجلي بسلك كهربائي، وربطني مع السرير، ثم بدأ يضربني عل جميع أنحاء جسمي.. أحضر السكين وبدأ ” يخزني ” على مستوى عنقي، ويهددني بالقتل إذا لم أعترف له بأنني على علاقة ” بفلان”، بدأت الصغيرة تبكي، رماها لأمه كي تعتني بها ثم أحضر جهاز التسجيل وبدأ يرغمني على ترديد ما يقوله، وعندما رفضت وضع سطلا به الماء واستعمل سلكا كهربائيا ثم أخذ يصعقني بالكهرباء…عندما اضطررت لترديد ما يريد، أحضر الماء البارد من الثلاجة وسكبه على رأسي، أرغمني على شرب ماء ملوث ” الجفاف” كل ذلك وأنا مربوطة اليدين والرجلين، بعد ذلك وضع عصا بين يدي ورجلي وفك رباطي من السرير ثم بدأ يدحرجني كالكرة وأنا أصرخ.
قطع ملابسي بالسكين إلى أن عراني كليا، وأحضر آلة حديدية Tourne-Vis)) وأدخلها في جهازي التناسلي…)) بعد أن تعب حملني مكبلة ووضعني بجانب أمه وطلب منها أن تراقبني، بقيت محتجزة بالمنزل مدة 5 أيام قبل أن أتمكن من الهرب… “34 سنة، خياطة، متزوجة بصانع تقليدي. 2-” متزوجة منذ 16 سنة وأنجبت 3 أطفال، أشتغل بالبيت وخارج البيت ولا أبخل بشيء من أجل توفير حياة أسرية ” هانية” لكن علاقة زوجي ” بالفلوس” وتدبيره للمال أي لمدخوله ومدخولي فجر النزاعات بيننا فأصبح شرسا معي عندما رفضت تسليمه أجرتي.
بعد الضرب والخنق والجر انتقل إلى أساليب أخرى لتعذيبي، يأتي مثلا بعد منتصف الليل ويوقظني من النوم لأعد له ” طاجينا ” ويفرض علي بالقوة أن أظل مستيقظة إلى أن ينام .. إذا غفوت يضربني بأي شيء أمامه، ويكون علي أن أكون باكرا في عملي، وأن أوقظ أطفالي وأهيئهم للمدرسة وأوصلهم، طرد الخادمة التي كنت أدفع لها أجرة لتساعدني في أشغال البيت لأنه يريدني أن أقوم أنا بكل شيء ورفض أن نشتري آلة للغسيل مرددا ” لم تصلح يداك؟ ‘ … عندما يدخل إلى البيت ننكمش من الخوف، لا أدري ماذا تخبئ لي الليلة.. أصبحت أعيش رعبا.
أخيرا أخذت قراري ، هربت إلى منزل عائلتي كي لا أجن وكي لا أقتله، فقد رفعت في وجهه مرة سكينا ليترك طفلتي بسلام .
طاردني، أهانني، فضحني في مقر عملي، طلبني لبيت ” الطاعة” لكنني واجهته أمام القاضي، قلت إنه أب غير صالح و لن أرجع إليه، أفضل السجن، في السجن لن يوقظني أحد ليلا لأطبخ له ” تحت العصا” قلت للقاضي، إذا كان علي أن أختار بينه وبين السجن فسأختار السجن ” 46 سنة، موظفة، متزوجة بإطار عال. 3-” أشكو إليكم الحالة المأساوية التي أعيشها مع هذا الزوج الذي يفرض علي أساليب عيش أشبه ما تكون بعهد الجاهلية، فهو يمتنع عن إعطائي المصاريف ولا يريد مراقبة حتى ابنه الذي يعاني من مجموعة من الأمراض، وهذا هو سبب نشوب صراع بيني وبينه حيث طلبت منه أن يأخذ الطفل إلى المستشفى عندما عاد يوما إلى البيت في وقت متأخر ورائحة الخمر تنبعث منه فانهال علي ضربا كأي شيء لا دم فيه ولا روح.
وهذا هو حالي مع هذا الزوج الذي لا رحمة في قلبه ولا شفقة، هذا الزوج الذي يطلب مني “الخروج إلى الشارع” لكي أوفر له وللولد مصاريف العيش… والآن طردني من البيت ويقول بأنني لن أدخله إلا بعد أن أقرر الوسيلة التي أصرف بها على نفسي”خادمة، 43 سنة، متزوجة بشخص عاطل.
تندرج مثل هذه الشهادات الواقعية التي تصرخ العنف وتعلنه ضمن الآلاف من الشهادات التي تضمها ملفات المحاكم ومراكز استقبال النساء ضحايا العنف ببلادنا، وتبين أن هناك تجليات للعنف تفرزها دينامية العلاقات بين أفراد تربطهم علاقة حميمة، داخل فضاء يتم تصوره وتعريفه ثقافيا وقانونيا، كفضاء للاستقرار والطمأنينة والمودة، لكنه يشكل ضمن وضعية الصراع مجالا لتوترات تنتج سلوكات عنيفة، تكتسي أحيانا طابعا عدوانيا يهدف إلى تدمير الآخر والقضاء عليه.
عندما تتحدث النساء عن وضعية عنف وتسبب لهن آلاما، فإن حديثهن يتميز بتنوع وكثافة يصعب اختزالها في تعريف أكاديمي جاهز، حيث يصعب تنظيم وضعيات العنف المتأججة في أبعادها المعقدة والمتشابكة ضمن نص لغوي موضوعي ومحايد.
في حديثهن عن الضرر الناتج عن العنف الذي تعرضن له، تسهب النساء في غور أعماق جراحهن, وعرض آثار إهاناتهن المتراكمة عبر فترات طويلة, قد تتجاوز زمن ومكان حدوث الفعل العنيف، ورغم هذه الصعوبة، يمكن رصد بعض المؤشرات التي تقربنا من وصف سلوكات العنف الموجهة ضد النساء والتي أدركنها كسلوكات سببت لهن معاناة، وذلك من خلال تجارب ذاتية، منحت فيها للمرأة فرصة الحديث عن عنفها، وتجدر الإشارة هنا أن الحديث عن العنف ضمن جلسات الإنصات التي يوفرها فضاء المركز للنساء المعنفات يعد تعبيرا عن الوعي به كوضعية تم الإحساس بها واستدعت نوعا من المواجهة أو من ” العنف المضاد”.

عناصر تعريف العنف الزوجي
من عناصر تعريف العنف الزوجي التي يمكن استخلاصها انطلاقا من وصف الزوجات لتجاربهن يمكن أن نرصد:
o -أعمال العنف أو أشكاله.
o -أطراف العنف.
o -أسلحة/ أدوات العنف.
o -فضاء العنف.
o -آثار العنف وانعكاساته.
o -وظيفة العنف.
اعتماداً على هذه العناصر، وعلى الشهادات المختلفة/المتشابهة، سنسعى إلى تقديم بعض عناصر تعريف العنف المنزلي بمجتمعنا.

العنف الجسدي – الضرب:
يشكل العنف الجسدي داخل تجارب عديدة، ” النواة الصلبة لدائرة العنف” كما لاحظ ذلك جون كلود شسني في كتابه تاريخ العنف، فالضرب يواجهنا كمعطى حاضر ومتكرر في كل تلك التجارب التي أعلنت العنف، ويفرض نفسه كمعيار لتقويم العنف وقياسه من منظور النساء “المعنفات”، إنه يسبب لهن الألم الجسدي والنفسي أيضا، لما يحدثه من شعور بالمهانة أو ” الحكرة” إذ يمس إنسانيتهن في الصميم كما وضحت ذلك إحدى الشهادات في وصفها لمشاعرها وهي تضرب” كشيء لا دم فيه ولا روح” .
تجارب عديدة ومتنوعة، تكشف لنا اختراق السلوك لكل الفئات الاجتماعية، حيث تتعرض العديد من النساء لأشكال ” محلية” من الشتم والإهانة والسب، المرفق عادة بالتهديد، والحامل لمضمون التحقير والتبخيس، وإذا كانت هذه الأعمال ” الشفوية ” مرافقة وملازمة لفعل الضرب، فإن هناك أعمال أخرى”حركية/جسمية” لا تنفصل عن ضرب النساء، إذ تتعرض المرأة للبصق على الوجه، والركل والرفس والدفع، والشد من الشعر، والتكبيل بالحبال (القيود) وتوجيه اللكمات إلى الوجه (الأنف والعين أساسا)، والتعرض للجلد بالسوط وللضرب بالعصا أو بأية آلة حادة ، بل وإلى استعمال السلاح الأبيض والإحراق بالنار أو بمواد أخرى ، إلى درجة إحداث عاهة مستديمة .
إن أدوات التعنيف الجسدي والنفسي التي تمارس داخل الأسرة تكتسي طابعا ” ثقافيا” واضحا وتمنح للعنف داخل مجتمعنا طابعا “محليا” رغم تباين تجلياته أحيانا حسب المميزات السوسيو اقتصادية لأطراف العنف.

السب والشتم:
إن الألفاظ المستعملة من طرف الأزواج العنيفين تشكل قاموس عنف حوله شبه إجماع، وتتصدرها عبارة نعت الزوجة/ الطرف في وضعية العنف بـ ” البغي” فيبرز اتهام المرأة بالفساد كلما وصلت وضعية التوتر تأججها، وأدت إلى انفلات اللسان ليعبر عن نظرة راسخة للمرأة تختزلها في موضوع للمتعة الجنسية ومصدر” للفتنة والخطيئة “، إن هذا الاتهام الذي يتكرر في العديد من الوضعيات يعكس أيضا هاجس خوف يلازم الرجل العنيف حول “رجولته” التي يقيسها بطاعة الزوجة وإخلاصها له”جنسيا”، ويشكل مؤشراً واضحاًَ عن الشروع في العنف.
هذا السلوك يثير استغراب النساء ضحايا العنف عندما يتساءلن عن معنى تكرار تلك الشتيمة التي تحدث لهن شروخا في النفس من طرف زوج يلجأ إلى بعث ” الوسطاء” لإرجاعهن لبيت الزوجية بل يعمد في أحيان كثيرة إلى إقامة دعوى ضدهن من أجل الرجوع.
يمتد مجال السب والشتم، في وضعية العنف، ليشمل عائلة الزوجة، الأمر الذي يحدث أحيانا ردود فعل للمقاومة من طرف الزوجة، ويؤدي إلى تبادل العنف بشكل قد لا تحدثه أعمال عنف أخرى، وتبرز الأهمية التي تحتلها العائلة في تحديد ملامح وضعية العنف عندما نلاحظ أن أطراف العنف لا تنحصر في الزوج والزوجة إلا نادرا، فعائلة الزوج ( خصوصا الأم والأخت) تشارك في إلحاق الضرر بالزوجة، من خلال ممارسة أعمال عنف ضدها أو تحريض الزوج على ذلك أو التواطؤ من خلال عدم التدخل لحمايتها، أما عائلة الزوجة فتظل الملاذ الذي تلجأ إليه المرأة المعنفة عندما تقرر وضع حد لعنف الزوج أو على الأقل لردعه وتخويفه.
ورغم حرص الزوجين معا – من منطلقات مختلفة- على عدم إشراك عائلة الزوجة في تدبير وضعية العنف، نلاحظ أن حضور أفراد العائلة ( خصوصا الذكور) يفرض نفسه في معظم الحالات التي تقرر فيها الزوجة مقاومة العنف من خلال اللجوء إلى مؤسسات الدولة.

أدوات العنف:
تتباين أعمال العنف الجسدي وتتفاوت خطورتها من حالة إلى أخرى، فتتدرج غالبا من الصفع إلى اللكم إلى الضرب بالأرجل، إلى استعمال أدوات مختلفة لإلحاق الأذى والألم بضحية العنف.
نلاحظ أن هناك أدوات معينة تستعمل في ممارسة أعمال العنف التي تدوم نسبيا في الزمن، ويكون غرضها التأديب أو الانتقام، منها مثلا العصا والسوط والحبل أو أنبوب جلدي أو سلك كهربائي، إضافة إلى استعمال النار أو بعض الآلات الحادة أو السلاح الأبيض، في حين تستعمل أدوات أخرى تكون في متناول اليد كالرمي بالحذاء أو بأواني منزلية، عندما تبدو أعمال العنف انفعالية وغير مخطط لها من قبل.
كما يلجأ الزوج في بعض الحالات إلى استعارة أساليب في ممارسة العنف الجسدي والنفسي تبدو كأنها مستوحاة من خبرة أجهزة مختصة في القمع والتعذيب، كاللجوء إلى التكبيل، و” التعلاق”، والصعق بالتيار الكهربائي، والاغتصاب عن طريق استعمال آلة حادة، والسجن، أي اللجوء إلى إغلاق باب البيت وحرمان الزوجة من الاتصال بالعالم الخارجي، والتجويع، والحرمان من النوم.
ومن أبرز أدوات العنف التي تم رصدها من خلال حالات الزوجات المعنفات اللواتي لجأن إلى مراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف، نسجل استعمال الزوج للقانون الذي ينظم العلاقة الزوجية ( مدونة الأحوال الشخصية ) من أجل ممارسة العنف ضد الزوجة، حيث كشفت تصريحات بعض النساء عن حجم المعاناة التي تسببها لهن وضعية حرمان وفقر وتبعية اقتصادية لزوج مهمل أو غائب أو رافض للإنفاق على أفراد أسرته، رغم أن امتيازات الواقع جعلت منه غالبا المعيل الوحيد للعائلة اعتبره القانون رئيس تلك العائلة والمسؤول عن رعايته.

من أساليب “التأديب ” التي يلجأ إليها الرجل في إطار الأسرة، مستغلا الامتيازات التي يمنحها له القانون، نلاحظ طرد الزوجة والأبناء من بيت الزوجية، أو التزوج بامرأة ثانية، أو رفض الاعتراف بنسب الأطفال والامتناع عن تسجيلهم بسجل الحالة المدنية، أو رفض الإنفاق عليهم ، أو إجبار الزوجة على ترك عملها بل وأحيانا تغيير مكان إقامتها للالتحاق بالزوج في مدينة أخرى كي لا تحرم من أطفالها، ويعتبر القانون ومن خلال نص صريح أن على الزوجة أن تطيع زوجها وأن تقوم اتجاهه بواجبات إذا أخلت بها تعتبر ناشزا، يجوز إخضاعها – عن طريق القانون – لسلطة الزوج، وإرجاعها بالقوة إلى بيت الزوجية الذي غادرته، أي إلى فضاء العنف الذي قد تكون “فرت منه” حسب التعبير الوارد في شكاية لأحد الأزواج موجهة إلى القضاء بشأن طلب إرجاع الزوجة إليه.
أما إذا تمادت فيكون عقابها عن طريق صدور حكم قضائي زجري ضدها أو بإسقاط حقوقها القانونية كزوجة ( النفقة، الحضانة) ويعد الطلاق الذي يمنحه القانون كحق غير مشروط للرجل، من أكثر أشكال العنف التأديبي التي يمارسها الزوج في حق أسرته( الزوجة والأطفال)، حيث يمكنه بقرار فردي غير مبرر أن ينهي العلاقة الزوجية ويطرد أفراد أسرته من البيت ويمس باستقرارهم الاجتماعي والنفسي.
أما إذا كانت رغبة إنهاء العلاقة الزوجية صادرة عن الزوجة المعنفة، فإن الزوج يمكن أن يساومها ويبتزها بدعم من القانون( الطلاق الخلعي) أو يماطلها، أو يرفض تطليقها كقرار انتقامي، مما يجعلها تتيه لسنوات في ردهات المحاكم.

مظاهر عديدة للعنف، تعرضها أحاديث النساء المعنفات، حين يتطرقن للأعمال التي كن عرضة لها، إنها أعمال سببت لهن ألما ومعاناة، وانتهت إلى شعور بالظلم والخوف، فالطرد من البيت, والتعرض إلى الشتم والصراخ، والاحتقار, والإلغاء، والاعتداء الجنسي، والاستيلاء على الأجرة، والاستيلاء على الممتلكات، سلوكات تكون مرفقة -حسب النساء -بالتخويف والتهديد، مما يجعلهن يتحدثن عن العلاقة مع الرجل الذي تربطهن به علاقة زوجية في مثل هذه الشروط، كمجال لـ”السجن والقهر”.
إن مظاهر العنف التي تكشف عنها النساء ضحايا العنف الزوجي تحيل على التمييز الذي وضحه الباحث المعاصر Walter BENJAMIN في كتابه Critique de la violence بين العنف الانفعالي الذي يعبر عن توترات لحظية مرتبطة بدينامية التفاعل بين الأفراد Violence-manifestation والعنف الذي يستعمل كوسيلة للسيطرة والهيمنة وإخضاع فرد لآخر Violence-moyen حيث يمكن القول أن أعمال العنف التي استدعت مقاومة من طرف الزوجات وبحثا عن تدبير له خارج الأسرة تندرج ضمن الصنف الثاني من العنف، إنه عنف متكرر، ممنهج، ينتج آلاما جسدية ونفسية ويحدث ضررا يفوق طاقة التحمل، حيث يهدف إلى تدمير الذات و يهدد الاستقرار النفسي والاجتماعي لأفراد الأسرة، أما العنف الذي يمكن أن يحدث في ” ساعة غضب” حسب تعبيرهن، فهو” عادي” ويمكن التعايش معه.
يكتسب العنف الذي تتعرض له الزوجة داخل الأسرة طابعا شرعيا، إذ يعد مشروعا بقوة القانون، ذلك القانون الذي اعتبرته الفلسفة الحديثة نفيا للعنف وآلية لحماية الفرد وصيانة حقوقه ومنحه الإحساس بالاستقرار وبالأمان على شخصه، نجده يولد إحساسا بالخوف والضياع عندما يتعلق الأمر بقانون أسرة يعتمد كآلية لتنظيم العلاقة بين أفراد الأسرة وبين أطراف وضعية عنف محتملة. إنه خوف من العنف وخوف من مواجهة العنف كما توضح ذلك إحدى الشهادات: ”

حين تعيشين مع إنسان تخافين من تصرفاته ورد فعله، يتولد لديك شعور مستمر بالخوف وشلل في التفكير، حيث أن كل تصرفاتك تصبح مقيدة، تحاولين الابتعاد عن ما يسبب غضبه وخاصة إذا كان يحاسبك على كل كلمة صدرت منك عفويا أو خطأ فهذا الخوف يدفع بالمرأة إلى تقييد في معاملاتها، كما ينعكس على تربية أطفالها الذين يتأثرون بهذا الجو المشحون بمشاعر الكره والغضب، فالرجل لا يعي أنه يقتل في المرأة كل الأحاسيس الجميلة فتصبح حياة الأسرة جحيما تتخبط فيه المرأة بإحساس الضعف والإهانة يصل بها أحيانا إلى التمرد من أجل الخلاص أو الانتقام”.

 استنتاجات أولية:
أولاً، لا تستعمل النساء مصطلح ” العنف ” في وصف وضعيتهن، إنهن يتحدثن عنها كوضعية تسبب آلاما وجراحا للجسد و النفس، وتتجاوزهن كأفراد لتمس بأفراد من محيطهن الاجتماعي (الأطفال، والأقارب، الأصدقاء), فيقدمن وصفا لعنف فعلي، ملموس ومباشر نابع من تجاربهن الذاتية ، لكنه يتميز بمظاهر واقعية متكررة .

ثانياً، يتبين من خلال حديث النساء عن العنف الذي يتعرضن له في إطار العلاقة الزوجية أنه متعدد الأشكال والنتائج، حيث يمكن أن يتخذ شكل عنف لفظي (شفوي ) أو جسدي، أو جنسي، أو نفسي، أو اقتصادي، أو قانوني، كما يبرز كعنف صادر في نظرهن, عن شخص (الزوج، الحماة، إخوة الزوج)، يجسد في نظرهن التسلط والسيطرة ، وينتج لديهن شعورا بالظلم.

ثالثاً، إذا كان التصنيف الذي قدمناه ينطلق من أنواع الأعمال التي تعرضت لها النساء المعنفات زائرات المراكز، فإنه يظل تصنيفا منهجيا، باعتبار أن الواقع والشهادات المقدمة، تبين استحالة الفصل بين أنواع العنف التي قد تتعرض لها المرأة في وضعية عنف معينة، فالعنف اللفظي يلازم العنف الجسدي أو الجنسي، ويرتبط كل منهما بالعنف النفسي, كما قد يمارسان في نفس الحالة مع عنف اقتصاد، إن كل تلك الأشكال تتداخل وتتشابك، إذ يصعب التمييز بين حدودها، أو تحديد مؤشرات وجودها جميعا بدقة في حالة معينة.

رابعاً، إن النساء يعرفن العنف من خلال وعيهن بتلك السلوكات كأعمال تحدث لهن آلاما، وتهدد أمنهن وصحتهن واستقرارهن، أي تهدد بلغة حقوق الإنسان -السلامة البدنية والنفسية للشخص؛ أما عنف القوانين فلا تدركه جل النساء الزائرات للمراكز إلا في ارتباط بتجاربهن الخاصة، ونادراً ما يربطنه بمؤسسة الدولة، بل هو في نظرهن عنف ناتج عن ” ظلم القاضي” لهن .

خامساً، يتبين لنا من خلال الحالات الوافدة على مراكز الاستماع بالمغرب, أن النساء يضمرن أنواعا من العنف ويصرحن بأخرى, حيث تعلن المشتكية (المستجوبة) بأنها تعرضت لعنف جسدي أو اجتماعي, انعكس بالأساس على وضعها الاقتصادي ( مشكل النفقة) أو على استقرارها الاجتماعي (الطلاق, مشكل السكن ), لكنها تغفل في الغالب الحديث عن العنف الجنسي داخل العلاقة الزوجية، ومن خلال الفرص المتعددة التي تمنح للمشتكية خلال جلسات الاستماع, يبدو أن ذلك الإغفال يرتبط في غالب الأحيان بتصور العنف وتعريفه لدى الزوجات.

سادساً، يتبين أن “الاغتصاب الزوجي” مثلا يعد تعبيراً غريباً عند النساء المعنفات, حيث يعتبرن أن تلبية رغبات الزوج الجنسية تعد واجبا لا مجال للاعتراض عليه، إذ يشكل حقا “شرعيا” للرجل مستدمجاً من طرف النساء ضمن ما لقن لهن خلال عملية التنشئة الاجتماعية من أدوار وتصورات تنقلها وتكرسها مختلف قنوات الثقافة المعتمدة بمجتمعنا، ونلاحظ أن الزوجات لا يدركن هذا الفعل كعنف, إلا عندما يرتبط بممارسات جنسية ترفضها القيم الدينية والثقافية السائدة, في حالة مطالبة الزوج لزوجته بممارسة الجنس بأشكال تعتبر في نظرها وفي نظر العرف والقانون, محرمة أو شاذة ( ممارسة الجنس من الدبر مثلا)، كما أن الزائرات للمراكز يصرحن بتعرضهن لعنف جنسي أي “لاغتصاب زوجي” ، عندما يرتبط الاتصال الجنسي بين الزوجين باستعمال القوة بشكل ينتج عنه ضرر صحي مادي, يتمثل في إصابة الجسد بجروح تشمل بالأساس المناطق الجنسية الحساسة للمرأة.

سابعاً، رغم إدراك النساء المعنفات للسلوكات الحاطة بكرامتهن, إلا أن تصريحهن بها كمصدر للضرر النفسي، لا يتم بشكل منعزل عن تصريحهن بتعرضهن لضرر آخر جسدي أو اجتماعي أو اقتصادي، ويبدو من خلال تصريحات النساء, أن إحساسهن بالمهانة يزداد كلما صدر سلوك العنف ضدهن أمام الغير, أي بحضور أفراد من العائلة أو الجيران والمعارف, إذ يكون الإحراج الاجتماعي عنصراً محدداً لحجم الضرر وبالتالي لوعي المرأة بالعنف، ويبدو من خلال الاستماع للنساء المعنفات, أن المعاناة الناجمة عن المس بحرية المرأة كشخص، وبكرامتها كفرد، لا تحدد إحساسها بالعنف النفسي. إن مراعاة الصورة الاجتماعية للزوجة, والتقدير الاجتماعي أمام الآخرين, تشكل أهم عناصر الإحساس بالضرر النفسي لدى النساء.

ثامناً، نستنتج أن تصريحات النساء الوافدات على مراكز استقبال ضحايا العنف بالبيضاء تعكس تعريفا للعنف يعتمد على أشكاله الفعلية، الواضحة، التي تستهدفهن بشكل شخصي، أي أنهن يشرن أساسا إلى العنف “السلوكي”، الصادر اتجاههن كأفراد من طرف أفراد، لكنهن مع ذلك يكشفن -من خلال وصفهن لظروفهن الاجتماعية والاقتصادية -عن مظاهر أخرى للعنف، لا يدركنها بشكل واضح كعنف موجه ضدهن, وهي تشكل الوجه الآخر للعنف الذي تعاني منه كل النساء في المجتمع، والذي يندرج ضمن العنف البنيوي المؤسسي، أو الرمزي حسب تعبير بيير بورديو.

تاسعاً، تحمل المرأة تصورات حول ذاتها وحول الرجل، نابعة من تأثير قنوات التربية والتعليم ومؤسسات الإعلام والقانون، تلقن لها في كل مراحل نموها النفسي والاجتماعي وتقوم على ترسيخ علاقة الهيمنة والخضوع، إن التمييز في التربية داخل الأسرة والمدرسة, من خلال إنتاج وإعادة إنتاج نماذج لأدوار نمطية حول دونية الفتاة وتفوق الرجل, تهيئ الشروط الضرورية لبروز سلوكات العنف ضد المرأة, وسيادة عقلية التسامح معها واعتبارها سلوكات عادية ومشروعة، وعندما تتمرد المرأة على هذا الدور, تعتبر خارج النسق, خارقة لقوانينه ونظمه, ناشزاً, عاصية وغير مطيعة, مما يستلزم تدخل سلطة الذكورة -في شخص الأفراد أو عبر المؤسسات- لتذكيرها بمعايير الثقافة الجماعية, وبالحدود “المقدسة” لعلاقات الهيمنة والخضوع، وإذا لم ينفع التذكير, فإنها تستدعي التأديب, فتتعرض للضرب والشتم أو للطرد من بيت لم تلتزم بقوانينه، كما قد تتعرض إلى أساليب انتقامية تطال حياتها الخاصة والعامة.

عاشراً، إذا كانت هذه الوضعية, المتضمنة للعنف المادي والرمزي, تنتج شعوراً بالظلم والإجحاف في حق المرأة بالنسبة للبعض, فإنها بالنسبة للبعض الآخر تعكس وضعية اجتماعية “عادية” و طبيعية, توجد في كل الأزمان وفي كل المجتمعات، من هنا يمكن القول إن تعريفات العنف حددت استراتيجيات تدبيره لدى النساء والرجال وحسب المجتمعات الأوساط والفئات.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock