مقالات

الوصايا السبع لإصابة البشر «عن عمد» بعدوى كورونا المستجد

تساعد تجارب التحدي البشرية على إنتاج اللقاحات بشكل أسرع شريطة تطبيق المبادئ التوجيهية التي تضمن نزاهة تلك التجارب وشفافيتها.

كان البريطاني، إدوارد جينر، يتنزه كعادته بين مزارع الأبقار المتاخمة لبلدته، بيركلي بالمملكة المتحدة. وفي إحدى الليالي، قابل سيدةً تظهر عليها علامات تُشير إلى إصابتها بالجدري. سألها عن تاريخ إصابتها، وكيف نجت من ذلك الداء القاتل، أخبرته أنها أصيبت بجدري البقر، لكنها لم تُصب بجدري البشر الذي كان متفشيًا آنذاك. ليبدأ بعدها سلسلة من الأبحاث حول ذلك الأمر. كانت الخطوة الأولى هي إجراء استقصاءٍ واسعٍ على المزارعين، ليعرف هل حالة تلك السيدة فريدة من نوعها أم لا.

الوصايا السبع لإصابة البشر «عن عمد» بعدوى كورونا المستجد
المناهج السعودية

استخرج “جينر” صديدًا من يد المُزارعة المُصابة بجدري البقر، وحقنه في يد طفل سليم. على مدار 9 أيام، زاد “جينر” من كمية الصديد المحقون في جسد الطفل الذي سرعان ما طور أعراضًا بسيطة من فقدان للشهية وحمى متوسطة. وفي يوليو 1796، أقدم “جينر” ع��ى خطوة خطيرة؛ إذ حقن الطفل بالآفة المُسببة للجدري البشري. لم يُطور الطفل أعراض الجدري القاتلة، فقط ارتفعت ��رارته لعدة أيام، ثم شُفي تمامًا. أعلن “جينر” نجاح التجربة، وخلص إلى أن جدري البقر يُعطي حمايةً كاملةً ضد جدري البشر. لتبدأ بعد ذلك رحلة تطوير اللقاح الذي أنقذ حياة ملايين البشر.

تُعرف تلك التجربة الآن بتجربة التحدي أو العدوى البشرية المتحكَّم بها. يُنفذها الباحثون طيلة الوقت. لكنهم يختارون البالغين الأصحاء بعناية عوضًا عن اختيار الأطفال. تهدف تلك التجارب إلى فهم الأمراض المُعدية بصورة أفضل، وتؤدي دورًا حيويًّا في المساعدة على تطوير لقاحات لها.

دراسات التحدي تعود إلى الأضواء

في فبراير 2018، عقدت أكاديمية العلوم الطبية بالتعاون مع مجلس البحوث في المملكة المتحدة ورشة عمل لمناقشة البيئة الحالية لدراسات العدوى البشرية المتحكم بها، بهدف اتخاذ تدابير إضافية لضمان الإشراف المناسب على تلك الأبحاث. فرغم التاريخ الطويل واللامع لتلك التجارب، ظل الجانب الأخلاقي لإصابة المتطوعين الأصحاء بالمُمرضات محلًّا للخلاف.

ومع حاجة العالم المُلحة إلى لقاح جديد وفعال ضد فيروس كورونا المستجد. عادت دراسات التحدي إلى الأضواء، إذ ناقشت دراسة نُشرت حديثًا في دورية “ساينس” الأطر الأخلاقية لدراسات العدوى البشرية المتحكم بها حول مرض كوفيد-19.

يُعد هذا النوع من الدراسات أداةً لتحقيق فهم أعمق لمسببات العدوى وتطوير الأدوية. تقدم نموذجًا فعالًا لاختيار مجموعة متنوعة من المواد الكيميائية المرشحة والمتوافرة لتطوير لقاح أو دواء. ويتم استخدامها بشكل متزايد كجسر لاختبارات السلامة والمناعة بشكل فعال في التجارب السريرية؛ إذ لا تسمح فقط بإنتاج بيانات الفاعلية بسرعة، بل تسهل أيضًا تحديد الاستجابات المناعية للعقاقير المختلفة، وقرارات صناعة اللقاحات، وبالتالي تجنُّب التجارب المكلفة غير الضرورية.

إطار أخلاقي شامل

قام باحثو الدراسة بتطوير إطار أخلاقي للمؤسسات الصحية، يُمكن من خلاله استخدام تلك التجارب كأداة من أدوات التفتيش الدؤوب عن اللقاحات، خاصةً إذا كانت مخاطرها مقبولة، حال إعطاء المشاركين موافقةً مستنيرةً صحيحة.

ترى سيما شاه -عالِمة الأخلاقيات الطبية بجامعة نورث ويسترن، والمؤلفة الأولى للدراسة- ��ن الورقة تهدف إلى تحديد الشروط التي يجب أن تلبيها دراسات التحدي لتكون مقبولة أخلاقيًّا. وتشير -في تصريحات خاصة لـ”للعلم”- إلى أن العلماء المشتركين في الدراسة حددوا سبعة معايير يجب استيفاؤها قبل الشروع في إجراء التجارب.

تقول “شاه”: إن تلك المعايير هي وجود قيمة اجتماعية كافية، ومعرفة المخاطر والمنافع المتعلقة بالدراسة، ومشاركة أصحاب المصالح القرار، واختيار موقع مناسب لإجرائها، واختيار عادل للمشاركين، والحصول على موافقة مستنيرة، علاوة على حصول المشاركين على مبالغ مالية تتناسب مع حجم الأخطار.

لهذا النوع من التجارب تاريخٌ متقلب، فبرغم إسهامها في إدخال تحسينات كبيرة على ممارسات الصحة السريرية والعامة، اشتملت على بعض المشكلات الأخلاقية. وبالتالي، فإن تصميم التجربة بدقة مع بيان قيمتها الاجتماعية واجبٌ أساسي قبل الشروع في بدء التجربة. ويُعد الوباء الحالي خير مثال؛ إذ يمكن أن تساعد تجارب التحدي على تحديد الأولويات بين أكثر من 100 لقاح يجري اختبارها.

لتحقيق المعيار الأول المتعلق بوجود قيمة اجتماعية عالية، من الضروري أن يُنسق الباحثون فيما بينهم إجراء تلك التجارب، علاوةً على إجراء دراسات ميدانية صارمة لتحديد المسارات اللازمة لبدء التجربة. يعني ذلك أن تتم تلك التجارب بالتوازي مع التجارب السريرية الاعتيادية، مع الأخذ في الاعتبار أن تجارب التحدي من شأنها تسريع تطوير اللقاحات والمنتجات الدوائية، وبالتالي الإسهام في السيطرة السريعة على الوباء وتقليل الحاجة إلى تدابير التباعد الجسدي.

وفيما يتعلق بضرورة معرفة المخاطر والمنافع المتعلقة بالدراسة، اقترح الفريق أن يتم اختيار المتطوعين من مجموعات من المرجح ألا تتطور لديها أعراض خطيرة للمرض، فالشباب الأصحاء الذين لا يعانون من مسببات كامنة للمرض مرشحون جيدون لمثل هذه التجارب. ولكن نظرًا إلى أنه أصبح من الواضح أن كوفيد-19 قد يولِّد حتى لدى فئة الشباب أضرارًا خطيرة غير قابلة للعلاج، كالمشكلات القلبية والعصبية، فإن المتابعة الطبية طويلة المدى أمر بالغ الأهمية.

مجموعات استشارية افتراضية

في السياق ذاته، دعت منظمة الصحة العالمية إلى ‏تطبيق معايير لجمع البيانات حول كوفيد- 19 ومشاركتها بسرعة، كما أكدت ضرورة التزام الدوريات الطبية‏ بنشر أبحاثها في مصادر مفتوحة. ‏‏يعني ذلك الأمر عدم وجود حاجة ماسة إلى تكرار تجارب التحدي، وبالتالي تتناقص أعداد المتطوعين وبالتالي المخاطر المترتبة على تلك التجارب، دون التأثير على آليات وصول المعلومات.

أما المعيار المتعلق بمشاركة المتطوعين القرار، فتقول الدراسة إن تلك التجارب لها تاريخ متقلب، وقد يكون من غير المعقول للجمهور أن يصيب الباحثون الأشخاص الأصحاء بالمرض. يستطيع الباحثون التغلب على تلك العقبة عن طريق إشراك وسائل الإعلام في خطوات التجربة أو تشكيل مجموعات استشارية افتراضية تقدم للجمهور المعلومات. فالمخاوف تتزايد من جَرَّاء نقص المعلومات. وتقول الدراسة إن الحفاظ على الشفافية أمرٌ مهمٌّ للتخفيف من عدم ثقة الجمهور. فمن الضروري أن يتشارك كل الأطراف المعلومات، سواء في المجتمع البحثي أو بين مجتمعات المنظومة الطبية وصانعي القرار.

ويجب أيضًا اختيار المواقع المناسبة لإجراء التجارب مع مراعاة المخاطر التي يتعرض لها المشاركون وأفراد الدراسة أو غيرهم. يجب أن تتوافر المواصفات المطلوبة في البنية التحتية. كما يجب أن تكون مستعدةً لحالات الانتشار الوبائي. وبالنظر في تلك التجارب، يحتاج المشاركون إلى الفحص والعناية الطبية والعلاج، كما سيحتاج موظفو البحث إلى معدات حماية شخصية. وتشير الدراسة إلى أن المواقع يجب أن تتمتع بالقدرة على إجراء دراسات صارمة، وتوفير رعاية عالية الجودة للمشاركين، وتقليل مخاطر البحث. مع إعطاء أولوية للأماكن التي لديها خبرة في تنفيذ مؤشرات تجارب التحدي؛ لضمان إمكانية بدء الدراسات والمشاركة العامة المحلية بسرعة وفاعلية ومسؤولية.

أما بالنسبة لمعيار الاختيار العادل للمشاركين، فيجب أن تتوزع المشاركات على مجموعة ذات خطر نسبي منخفض في حال حدوث ضرر جسيم لا رجعة فيه. كما يجب الحصول أيضًا على موافقتهم المستنيرة المستمرة، ليس فقط خلال بداية التجربة، لكن أيضًا مع ظهور أيّ بيانات جديدة.

في تلك الدراسة، اختلف الباحثون حول ضرورة دفع أموال إلى المشاركين. لكن، وفي النهاية، انتصر مبدأ الدفع على اعتباره تعويضًا للمشاركين عن وقتهم.

إعلان مبادئ

يرى الباحث في مجال تحليل الأمراض المعدية بإمبريال كوليدج، بيتر وينسكيل، غير مشارك في الدراسة، أن الورقة البحثية وضعت “إعلان مبادئ” لدراسات التحدي. مشيرًا إلى أنها توفر دون شك “إرشادات مفيدة في الوقت الحالي لمعرفة إجابة عن تساؤل: إذا ما تمت دراسات التحدي، فهل ستنفذ بطريقة صحيحة ولأسباب صحيحة؟”. ويرى “وينسكيل” أن الدراسة جاءت في “الوقت المناسب وللغرض المناسب”، وفق ما صرح به لـ”للعلم”.

على الرغم إن أن الورقة نُشرت في خضم الوباء الحالي، إلا أن “شاه” تقول إن الفريق عمل على ذلك الإطار منذ سنوات ثلاث. مشيرةً إلى أن الفريق يضم “مجموعة متعددة الجنسيات”، أسهمت في إثراء محتوى الورقة العلمي.

أما الدكتور “عمر الحلفاوي” -البا��ث بجامعة ماكماستر الكندية- فيرى أن تجارب العدوى البشرية المحكومة يُمكن أن تكون مفيدةً للإسراع من تطوير لقاحات وعلاجات. ويشير -في تصريحات خاصة لـ”للعلم”- إلى أن التباعد الاجتماعي -وبالتالي تقليل فرص العدوى، وخاصة في حالة انحسار الموجة الأولى من الوباء- يعني أن إحدى سُبل تطوير اللقاحات والأدوية استخدام تجارب التحدي البشرية. ولكنه يعود ويؤكد ضرورة وجود ضوابط ومعايير أخلاقية وشفافية، وهو ما حاولت تلك الورقة البحثية إلقاء الضوء عليه.

يتفق “عمر” مع ما توصلت إليه الدراسة بضرورة أن تتم تلك التجارب بالتوازي مع التجارب السريرية، “دور تجارب التحدي الأهم هو التوجيه، وبالتالي الإسراع في التوصل إلى النتائج”؛ نظرًا إلى أن طبيعتها لا تتيح التجربة على عينة ممثلة للمرضى المحتملين، “نختار في تلك التجارب الأشخاص الأقل عرضةً لتطوير أعراض المرض، وبالتالي لا يُمكن أن تكون النتائج ممثلةً لجميع البشر”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock