مقالات

التدريس الغني بالمفاهيم الرياضية وأثره في تحسين القوة الرياضية لدى الطلبة

التدريس الغني بالمفاهيم الرياضية وأثره في تحسين القوة الرياضية لدى الطلبة

منذ ظهور الإنسان، ارتبط تحضره بمدى تعلمه للرياضيات والذي كان محصوراً بتمكنه من إجراء بعض العمليات الحسابية المتعلقة بالربح والخسارة، وتبادل السلع والمحصولات الزراعية، وكان مقصوراً على طبقتي النبلاء والتجار في الحضارة اليونانية.

والرياضيات هي علم مجرد يصعب فهم رموزه، وإدراك حقائقه ومسلماته ومفاهيمه وقواعده وقوانينه لتكوين العلاقات والأنماط والنمذجة الرياضية وترجمة الصيغ الرياضية والرسومات والتمثيلات المتعددة وترابط المعرفتين المفاهيمية والإجرائية في حل المشكلات الرياضية (عبابنة وأبو زينة، 2012).

أكدت الوثيقة الصادرة عن المجلس القومي لمعلمي الرياضيات بالولايات المتحدة الأمريكية National Council of Teachers of Mathematics (NCTM)  على تعليم وتعلم الرياضيات والقائم على فهم واستيعاب المفاهيم الرياضية (NCTM, 1989).
وأكدت النظريات التعليمية الحديثة كنظرية اوزبل (Ozebl) على ضرورة تمكن الطالب من بناء المفاهيم الرياضية الأولية والثانوية. وارتبط تعليم المفهوم الجديد عند الطالب؛ من خلال ربطه بالمفاهيم السابقة المتواجدة في الأبنية المعرفية في ذهنه، والعمل على إعادة بنائها وتطويرها أثناء نموه.

مما يساهم في إعادة ترتيبها وتنظيمها بشكل متواصل وفقا للمواقف التعليمية الجديدة، وهذا ما يساعد على استبدال المفاهيم الخاطئة بمفاهيم صحيحة؛ والتي يتم اكتسابها في وسط تعاوني واجتماعي من خلال المناقشات والحوارات التي تتم بين المعلم والطالب من جهة، والطالب مع أقرانه في الغرفة الصفية في مجموعات عمل صغيرة من جهة أخرى (زيتون، 2007). وتعتبر تنمية المفهوم أحد أهداف تدريس الرياضيات في جميع المراحل التعليمية المختلفة، كما أنه يعتبر من أساسيات العلم والمعرفة التي تفيد في فهم الطالب للرياضيات (صنعة وأبو لوم، (2020.

يرى كوسميانتس وسومانتري ونونيا (Kusmanyanti etal, 2018) حسب (اربيع وآخرون، 2020) بأن البيئة التدريسية الغنية بالمفاهيم تعمل على إثراء عمليات التفكير العليا لدى الطلبة؛ وذلك باستخدام معلومات زخمة حول شيء ما للتوصل إلى شيء آخر من خلال ما يسمى بالابتكار وتعليمهم كيف يفكرون، مما يُمكن الطالب من استيعاب المفاهيم العلمية بصورة جيدة. كما أشار بنهور (Benhur, 2006) إلى أن بيئة التدريس الغنية بالمفاهيم تحتاج إلى خمس مكونات منظمة ومتسلسلة منطقياً ومحددة وهي من بديهيات تعليم وتعلم الرياضيات لمساعدة الطلبة في الرياضيات ومفاهيمها وهي:

المفاهيم

الممارسة: حيث يتطلب تعلم المفاهيم ممارسة كافية وتطبيقا كافيا من خلال إثراء عملية تدريس الرياضيات بأكبر قدر من الأمثلة والأنشطة الغنية بالمفاهيم وتكرارها بالقدر الكافي وتنوع السياقات؛ وذلك بمناقشة أفكار الطلبة مع مراعاة تباينها أثناء حل التمارين وتنوعها وتحليل الأخطاء الشائعة لديهم.

إعطاء معنى للمفهوم: وهو ترجمة المفهوم وتفسيره بالكلمات والرموز، فيكون دور المعلم هنا كوسيط. فعملية إعطاء معنى للمفهوم في كلمات أو رموز تتم من خلال تطوير فهم الطلبة للمفاهيم من خلال التفكير، والتعبير اللفظي، وصحة إعطائه معنى يعبر عن فهم الطالب له.

إعادة السياق: أي إعادة صياغة المفهوم بعد ربط الخبرات الجديدة مع الخبرات والتجارب السابقة، والتركيز على تطبيقات جديدة للمفهوم حيث يتم استخدام المفهوم لربط الخبرات الجديدة بالخبرات والتجارب السابقة،

التحقق: وذلك من خلال تشجيع الطلبة على الانتقال إلى خبرات جديدة من خلال المنهج الدراسي ومشكلات واقعية؛ أي يجب على الطلبة نقل ما تعلموه وفهموه من المفاهيم وتوظيفها في البيئة الواقعية.

ونتيجة للتغير في أهداف تعليم وتعلم الرياضيات وتطورها لتشمل التركيز على التفكير والفهم مراعية الفروق الفردية في القدرات العقلية والإنمائية للطلية، ظهر مفهوم القوة الرياضية ليمثل الهدف الرئيس لتعليم وتعلم الرياضيات؛ وليصبح هدفا أساسيا لتدريس الرياضيات في جميع المراحل التعليمية (جاد، 2009).

يشير المركز القومي للإحصاء التربوي National Center for Education Statistics (NCES) إلى أن مفهوم القوة الرياضية يرمي إلى تحديد أداء الطالب، وحجم قدراته في المعرفة والإجراءات الرياضية وحل المشكلات الواقعية غير النمطية في المجالات الرياضية المختلفة (NCES, 2007).

ويرى عباس والعبسي (2009) أن تحسين القوة الرياضية يبدأ باكتساب المفاهيم الرياضية؛ والتي تظهر من خلال تعبيره عن التصورات الذهنية بالرسوم والتمثيلات واستخدام اللغة الرياضية في التعبير الكتابي، والتواصل الشفهي، وفي قدرة الطالب على إدراك الترابطات بين الرياضيات والعلوم الأخرى والاستدلال؛ الذي يمكن ملاحظته من خلال قدرة الطالب على الاستنتاج والتبرير والتفسير وإدراك معقولية النتائج.

وأشار المجلس القومي لتقييم التقدم التربوي National Assessment of Education Progress (NAEP)، إلى أن القوة الرياضية هي: مجال تقييم الطالب رياضيا؛ وهي تمثل كل ما يتعلق بالطالب رياضياً، أو تصف قدراته المعرفية، وإعادة استخدام المعرفة الرياضية من خلال مكوناتها الثلاثة: المفاهيمية والإجرائية وحل المشكلات، وذلك من ناحية التواصل والترابط والاستدلال الرياضي. وتظهر هذه القدرة الرياضية في: تواصل الأفكار الرياضية عبر اللغة الرياضية والمفاهيم الرياضية والتمثيلات الرياضية والترابط الرياضي سواء في الموضوعات الرياضية أو بينها وبين مجالات العلوم المختلفة، واستكشاف العلاقات الرياضية والتبرير والتفسير للخطوات الإجرائية في حل المشكلات الرياضية غير الروتينية، واتخاذ القرار للحل الأمثل للمواقف والمشكلات الرياضية. (NAEP, 2007)

وفي السياق ذاته؛ تعد القوة الرياضية ذات أهمية كبيرة انطلاقاً من أهدافها المتمثلة في: إدراك مفردات اللغة الرياضية ورموزها، وإدراك مكونات البناء المفاهيمي الرياضي، وإدراك طبيعة الرياضيات ودلالة بنيتها، وإدراك قيمة ألرياضيات ونفعيتها في المواقف الحياتية، واستنتاج منظومة من القواعد الرياضية، وتوظيفها في المواقف وحل المشكلات، واستقراء الترابطات المفاهيمية في النسق الرياضي، وانتاج أكبر عدد من الترابطات داخل الموقف الرياضي (عفانه وآخرون، 2012).

ويعرف شاهين وباكي (Sahin & Baki, 2010: 136) القوة الرياضية بأنها ” فاعلية الطالب في استخدام المعرفة المفاهيمية والإجرائية لحل مشكلة غير نمطية من خلال استخدام مهارات التواصل والترابط والاستدلال الرياضي مجتمعة معا”. وترتكز القوة الرياضية على ثلاث عمليات هي: التواصل والترابط والاستدلال الرياضي، فعملية التواصل كما يعرفها بلتن (Piltin, 2010) هي قدرة الطالب على استخدام مفردات ورموز وصيغ الرياضيات في التعبير عن الأفكار والعلاقات وفهمها. ويأخذ التواصل صورا مختلفة داخل الغرفة الصفية، فقد يكون سماعياً أو شفهياً أو كتابياً. أما الترابط الرياضي؛ فيقوم على إدراك العلاقات والأفكار الرياضية والترابطات فيما بينها (الصيداوي وخزعل، 2017)، في حين أن الاستدلال الرياضي هو القدرة على التفكير فيما وراء المعلومات المعطاة لتوليد أو إنتاج استنتاجات جديدة بطرق منطقية متسلسلة والقدرة على خلق الأدلة والحُجج القوية المبرهنة على صحة الاستنتاج بالاستعانة بالقواعد والمبادئ والمسلمات والحقائق والنظريات وإدراك معقولية النتائج واكتشاف المغالطات والتي لا تتطلب قراءة مسارات التفكير فحسب؛ بل تحديدها باعتبارها فهم خاطئ، وإمكانية تعديلها (حليوة، 2017).

ونتيجة للأثر السلبي لاتباع طريقة التدريس التقليدية التي يتبعها معلمو الرياضيات في تدريسهم للرياضيات والقائمة على حشو أذهان الطلبة بأكبر كم من المعلومات الرياضية، من غير اهتمام أو متابعة لمدى فهم الطلبة لتلك المعلومات والتي تنعكس سلباً على إجراءات الطلبة في حلهم للمهام الرياضيات التي توكل إليهم وهذا ما تم ملاحظته من خلال اداء الطلبة في الغرف الصفية أو في الامتحانات التحصيلية الشهرية، وكذلك متابعة نتائج الطلبة في الاختبارات العالمية كالتوجهات العالمية لدراسة الرياضيات والعلوم Trends in International Mathematics and Science Study (TIMSS) ؛ والتي تشير إلى ضعف الطلبة في حل المشكلات الرياضية التي تحتاج إلى استخدام المفاهيم الرياضية لربط الخطوات الإجرائية بعضها ببعض؛ مما يتسبب في ضعف الطلبة في التبرير والتفسير والربط بين العلاقات والافكار الرياضية وعدم القدرة لديهم على ترجمة التمثيلات الرياضية وعدم القدرة على بناء النماذج الرياضية أو تفسيرها. ومن جهة أخرى، فنتيجة للتوجهات المعاصرة لتعليم وتعلم الرياضيات القائم على الفهم والتفكير؛ فقد أولى التربويون الرياضيون اهتماما بضرورة إعادة صياغة المناهج الرياضية المدرسية بحيث تحتوى على الأنشطة والمواقف الرياضية التي تعمل على تنمية قدرات الطلبة ليست المعرفية فحسب، وإنما المهارية والعقلية أيضا.

ولأن التدريس الغني بالمفاهيم أثبت فاعليته في تدريس المواد المدرسية، فمن الممكن تبنيه في تدريس مادة الرياضيات مما قد يكون له الأثر الإيجابي في تحسين القوة الرياضية لدى الطلبة.

 

فضلا لا أمرا إدعمنا بمتابعة ✨🤩

👇 👇 👇

https://t.me/eduschool40

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock