مرحلة رياض الاطفال

الوقاية من العنف الأسري

الوقاية من العنف الأسري

الوقاية من العنف الأسري

الوقاية من العنف الأسري

المناهج السعودية

الوقاية من العنف الأسري

المقدمة
العنف الأسري من أبرز الموضوعات التي بدأت تطفو على السطح في الآونة الأخيرة في المجتمعات كظاهرة سلوكية تتصف بها العلاقات الأسرية، ولا نستثني من هذه المجتمعات المجتمعات العربية، والتي بدأت ظاهرة العنف عندها بالظهور الواضح للعيان نتيجة الانفتاح اللاواعي على سلوكيات العالم المتحضر والمتقدم مادياً، وتقليد ما تنبذه تلك المجتمعات من سلوك أطاح بقيمها وبدأت تحاربه وتتصدى له.
وليس معنى هذا أن العنف بأنواعه – وليس العنف الأسري فقط – وليد الانفتاح الحضاري والمفاهيم الحديثة المتعلقة به، أو نتيجة الطفرة المادية وما يتعلق بها من تبعات، أو نتيجة الهيمنة الإلكترونية، بل العنف – وعلى وجه التحديد العنف الأسري – ولد مع أول تكوين أسري وجد على البسيطة، وكان ذلك بإراقة أول دم بشري بين قابيل وهابيل.

ومع تطور الحياة المادية، نجد مسايرة الحياة الاجتماعية لها في ذلك، فتطورت سلوكيات شتى سلباً، أو إيجابا، كما اختفت بعض السلوكيات ونشأت سلوكيات أخرى لتواكب الحياة الجديدة، وتطور العنف شأنه في ذلك شأن تطور الكثير من السلوكيات، كما تطورت أدواته ودوافعه وأساليبه.
ولأهمية العنف في تأثيره السلبي على الأفراد والمجتمعات، وما ينبثق عنه من نتائج مؤذية بحق الجناة والضحايا معاً مما يؤدي إلى تعطيل طاقاتهم الوطنية والاجتماعية فقد اهتمت العلوم الاجتماعية والأسرية بدراسة العنف لتأثيره المسلط على الأفراد والمجتمعات، ولكونه بدأ في التزايد في الآونة الأخيرة مما ينذر بخطورته، كما تناوله العديد من الباحثين والمختصين في شتى المجالات، متطرقين بذلك لأسبابه وظواهره وتحليل نتائجه، كما أقيمت المؤتمرات والندوات للوقوف على مسببات هذه الظاهرة للحد منها ومن آثارها السلبية التي بدأت تستشري في المجتمعات لتفتك بأفراده، هذا بالنسبة عن العنف بصفة عامة، أما العنف الأسري فبالرغم من الندوات والمؤتمرات واهتمام المختصين في المجال الأسري إلا إننا لا نجد دراسات كافية في مجال العنف الأسري، كما لا توجد إحصائيات دقيقة توضح أسبابه ودوافعه، والسبب في ذلك يعود لتكتم ا��ضحية، واعتبار ما يحدث سر من أسرار الأسرة وشأن من شئونها، وهذا الأمر تشترك فيه معظم المجتمعات وخاصة المجتمعات العربية، ودولة الإمارات جزء من هذه المجتمعات التي يتم فيها التكتم على العنف الأسري بهدف عدم التشهير بالأسرة وفضح أمرها، فما يحدث في الأسرة من الأنواع المتعددة والأشكال المختلفة من العنف الأسري بكل أنواعه المعنوية والمادية والحسية يظل طي الكتمان تحكمه القيم والأخلاق أحياناً، بالرغم من وجود ضحايا ومتضررين، هذا الأمر جعل البحث عن مصادر وإحصائيات دقيقة شبه مستحيل من الجهات الرسمية والمراكز المخولة، لأن ما يصل يكاد لا يذكر، وإن وصل فلا تعرف الأسباب الحقيقية التي أدت إلى وجود ضحايا، فمثلا في مستشفى القاسمي بإمارة الشارقة تم التبليغ عن حالة طفل واحدة تعرض للإساءة سنة 1997م، وبالرغم من ذلك لم يتم تحديد نوع الإساءة.

وبناء عليه فإن هذه الورقة ستتناول الموضوعات الآتية:
o o لمحة اجتماعية إماراتية
o o مفاهيم لابدّ منها
o o أنواع العنف
o o ضحايا العنف
o o نتائج العنف
o o الدراسات السابقة
o o محاولات (تجارب) محلية
o o طرق الوقاية
o o التوصيات
o o الملاحق

لمحة اجتماعية إماراتية
سمات المجتمع الإمارات لا تختلف في ملامحها العامة عن سائر المجمعات العربية، فهو يقدر الأسرة ويعتني بها كونها اللبنة الأولى في الصرح الاجتماعي، فقبل تدفق الخيرات من باطن أرضنا المعطاءة كان للأسرة الأهمية والمكانة الرفيعة، كان يتم في داخلها توزيع الأدوار وتحمل المسؤوليات بين أفرادها، وتأخذ المرأة العبء الأكبر من هذه المهام كون الرجل أو رب الأسرة أو المعيل في رحلة من رحلات الغوص بحثا عن قوت أسرته، تلك الرحلة التي تمتد إلى أربعة أشهر أو يزيد، في هذه الظروف القاسية المريرة نجد المرأة تشق طريقها لتشارك الرجل أعباء الحياة، فهي التي تحافظ على الأسرة وتسعى للقيام بمتطلباتها ال��ومية، وبالرغم من ضعف الوعي العلمي والثقافي بصفة عامة والمرأة بصفة خاصة، إلا إنها أثبت جدارتها في الحفاظ على الأسرة ورعاية جميع أفرادها من أبناء وآباء، حيث كانت الأسرة الإماراتية أسرة ممتدة، لكن هذا لم يخول المرأة في أغلب الأحيان اتخاذ القرارات الرئيسة على المستوى العائلي، فالآمر والناهي في الأسرة و صاحب الأمر المطاع هو الجد، وعلى الجميع تنفيذ أمره حسب ما يراه هو صحيحاً.
ولقد كان المجتمع الإماراتي قبل عصر الانفتاح المادي شديد التمسك بعاداته وتقاليده والعرف السائد آنذاك، حيث نبع تقدير العادات والتقاليد من كونها موروث الأجداد، ولعل احترام الكبير وتقدير رأيه وتوقيره وبره وتقديمه في المجالس والمحافل من أبرز ما يمتاز به المجتمع الإماراتي. كما يتحلى المجتمع الإماراتي بالتراحم والتعاطف والتعاون، وكان حريصاً على تطبيق المبادئ الإسلامية السمحة متمثلاً ذلك في أداء العبادات، وتأدية الواجبات الدينية والاجتماعية. فمجتمع كهذا يكاد يخلو من مظاهر العنف الأسري، فللمجتمع الإماراتي – وكما هو في سائر المجتمعات العربية- أساليب متبعة في تربية الأبناء، وهي أساليب تربوية تأديبية تغلفها الرحمة والمحبة، حيث كانت الأساليب المتبعة العتاب، والزجر الخالي من السب والشتم كونه أمراً مذموماً لدى المجتمع، ولا يخلو الأمر من الضرب غير المبرح وغير المؤذِ.
ولكن الأمر الأكثر عنفاً هو تهميش دور المرأة، بالرغم مما يقع على عاتقها من مهام ومسؤوليات، إلا إنها في معظم الأحيان لا تعطى كثيراً من حقوقها، كاختيار زوج المستقبل مثلاً أو المشاركة في إدارة القبيلة أو مؤسسات الدولة، وهذا بخلاف ما يدعو له الدين الإسلامي وما يشهد عليه تاريخنا الإسلامي.
بقي أن نضيف أن من أبرز سمات المجتمع الإماراتي قبل عهد الانفتاح الاقتصادي التقارب في صلات النسب، فهو يكاد أن يخلو من وجود أفراد لا ينتمون إلى المجتمع الإماراتي فيؤثرون بما يمتلكون من ثقافات مختلفة سلباً أو إيجابا.

وخلاصة ما سبق يمكننا أن نحدد مميزات الأسرة الإماراتية قبل عصر الانفتاح الاقتصادي ( ظهور النفط ) بالنقاط التالية:
1. أسرة مستقرة.
2. أسرة ذات قيم تربوية إيجابية لانتمائها لمجتمع متجانس.
3. أسرة مركبة أو ممتدة.
4. السلطة المطلقة فيها لرب الأسرة (الجد).
وعندما منّ الله تعالى على هذه الأرض الطيبة وعلى أهلها وأكرمهم بأن أخرج لهم من باطنها كنوزاً تعويضاً لهم على سنوات الصبر والشقاء، لينعموا بهذا الخير الذي غير مجرى الحياة بشكل ملحوظ وملفت للنظر، فإن التغيير لم يتوقف عند الجوانب الاقتصادية للمجتمع، أو في المظاهر الأخرى كالتطور المعماري والتعليمي والصحي، بل كان للجانب الاجتماعي الحظ الأوفر منه، وهذا أمر طبيعي حيث أن الخيرا�� التي منّ الله تعالى بها على مجتمعنا فتحت أبواب الهجرة بأنواعها، بما يحمل الوافدون الجدد من ثقافات مختلفة وعادات متباينة. كما اتضح اتجاه غالبية الرجال – خاصة كبار السن- للزواج مرة أخرى من جنسيات أجنبية، الأمر الذي أدى لظهور جيل من الأبناء ينتمي نصفهم الآخر لجنسيات أخرى قد لا تكون عربية في أغلب الأحيان، وخاصة من الدول الشرق آسيوية، مع وجود فارق كبير جدا في السن بين الأب والأبناء، ويحدث كثيراً أن تفقد الأسرة الجديدة الأب بسرعة إما بالوفاة أو بالمرض لكبر سنه، الأمر الذي يدفع الأم الغريبة عن الوسط الذي وضعت فيه للتخبط في سلوكها مع أبنائها، فتارة نجدها تكد وتكدح لتحافظ على أبنائها، وتارة أخرى نجدها تقسو عليهم لأنهم السبب في تعاستها، وقد تجرهم أحياناً لأمور لا تحمد عقباها.
هنا -ومع هذا الخليط غير المتجانس- بدأت تظهر على السطح سلوكيات لا تنتمي في حقيقة الأمر للمجتمع الإماراتي المحافظ، ومن هنا بدأ العنف الأسري في المجتمع الإماراتي بالتواجد كظاهرة سلوكية خطيرة، لابدّ من الوقوف على أسبابها والحد منها.
لقد اختلفت ملامح الأسرة الإماراتية بشكل كبير، وتغيرت تغيراً ملحوظاً، حمل هذا التغير بين طياته السلب والإيجاب، فأصبح من أبرز سمات الأسرية الإماراتية في عصر النفط ما يلي:
1. ظهور جيل من الأبناء ينتمون لأمهات أجنبيات مما يشعر بعضهم أحياناً بالخجل.
2. ظهور طبقة المربيات.
3. ظهور صور من الانحرافات لم تكن معروفة.
4. التقليد اللاواعي للثقافات الدخيلة.

مفاهيم لابدّ منها
العنف:
هناك الكثير من التعريفات التي توضح معنى العنف، ولكن اخترت منها هنا ما يتناسب والبحث، ونحن هنا بصدد تعريف العنف بشكل عام وليس العنف الأسري.
يعرّف البعض العنف بأنه نمط من أنماط السلوك يتضمن إيذاء الآخرين، وقد يكون مصحوباً في بعض الأحيان بانفعالات.
ونجد الدكتور مصطفى عمر يعرّف العنف بأنه ( كل فعل أو تهديد به يتضمن استخدام القوة بهدف إلحاق الأذى والضرر بالنفس أو بالآخرين وبممتلكاتهم ).
أما اللجنة الأمريكية لدراسة أسباب العنف في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980م فقد عرفت العنف بأنه ( استخدام أو تهديد باستخدام القوة لضمان تحقيق هدف خاص ضد إرادة شخص ).

العنف الأسري:
هو أحد أنواع العنف وأهمها وأخطرها، وقد حظي هذا النوع من العنف بالاهتمام والدراسة كون الأسرة هي ركيزة المجتمع، وأهم بنية فيه، والعنف الأسري هو نمط من أنماط السلوك العدواني والذي يظهر فيه القوي سلطته وقوته على الضعيف لتسخيره في تحقيق أهدافه وأغراضه الخاصة مستخدماً بذلك كل وسائل العنف، سواء كان جسدياً أو لفظياً أو معنوياً، وليس بالضرورة أن يكون الممارس للعنف هو أحد الأبوين، وإنما الأقوى في الأسرة، ولا نستغرب أن يكون الممارَس ضده العنف هو أحد الوالدين إذا وصل لمرحلة العجز وكبر السن.
وعلى ذلك فإن العنف الأسري هو أحد أنواع الاعتداء اللفظي أو الجسدي أو الجنسي والصادر من قبل الأقوى في الأسرة ضد فرد أو الأفراد الآخرين وهم يمثلون الفئة الأضعف، مما يترتب عليه أضرار بدنية أو نفسية أو اجتماعية.

العنف المؤسسي:
هو ما يتعرض له الضحايا من أنواع العنف المادي والمعنوي على الطاقم الذي وضع في الأساس لرعاية هؤلاء الضحايا، خاصة المسنين والمعاقين.

ضحايا العنف:
هم الأفراد الأضعف في الأسرة ممن لا يستطيعون أن يصدون عن أنفسهم الأذى الواقع عليهم من قبل من هم الأقوى بين أفراد الأسرة، إذن ضحايا العنف هم الذين يقع عليهم ضرر أياً كان نوعه، نتيجة تعرضهم للعنف على يد أحد أفراد أسرهم.

الأسرة:
هي أهم وأخطر مؤسسة تربوية في المجتمعات، ففي أحضانها يبدأ النشء بتعلم مبادئ الحياة، والأسرة هي عبارة عن مجموعة من الأفراد يجمع بينهم رابط مقدس وهو الزواج، ونتيجة هذا الرابط تمتد الحياة من خلال الأطفال الذين يواصلون مسيرة الحياة، وهم جميعاً يعيشون في بيت واحد.
والأسرة نوعان: النوع الأول هو الأسرة الممتدة أو الأسرة المركبة وهي التي تضم الأبناء والآباء والأجداد وتكون السلطة فيها بطبعة الحال للأكبر سناً من الذكور، وهذا النوع من الأسر كان منتشراً في دولة الإمارات لفترة ليست بالبعيدة.
والنوع الآخر من الأسر هو الأسرة النووية، وهي منتشرة الآن في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي عبارة عن أسر صغيرة تضم الأبوين ومن يعولون من أبناء، وتعتبر هذه الأسرة مستقلة بذاتها اقتصادياً واجتماعياً، وتشرف على تربية أبنائها دون تدخل من أطراف أو أفراد آخرين من العائلة الكبيرة.
وللعلم فالأسرة الإماراتية تعتبر وسط بين الأسرة الممتدة والأسرة النووية، فهي لا تستطيع أن تنفصل نهائياً عن الأسرة الأم أو الأسرة الأصل خاصة في العلاقات الاجتماعية، وإنما تنفصل عنها اقتصادياً فقط.

الوقاية من العنف:
كلمة وقاية جاءت من الأصل اللغوي “وقي”، وهي بمعنى حمي، فالوقاية إذن هي الحماية، والحماية تعني أن هناك ما يخشى عليه، فلا بدّ أن تؤخذ التدابير قبل أن يلحق الضرر به، ومعنى هذا أن هناك خطر محدق بهذا المراد حمايته، بمعنى آخر الصيانة من الأذى والحماية منه ،هذا من الناحية اللغوية، أما في مجال الجريمة والعنف مهما كان نوعه، فالوقاية تعني اقتلاع جذور الجريمة ومنع أسبابها من خلال التخفيف من آثار العوامل التي تنشأ الجريمة في ظلها.
دار التربية للفتيات:
مركز اجتماعي تابع لوزارة العمل والشئون الاجتماعية، يعتني بشئون الفتيات الجانحات ��ن سن 12-18 سنة وممن صدر بحقهن أمر بالإيداع لدى الدار، تعنى هذه الدار بإعادة صياغة البناء الخلقي والاجتماعي لدى الفتيات المودعات لديها مع إعطائهن المهارات الحياتية المهمة وتدريبهن على الإبداعات الفنية المختلفة والعلوم التكنولوجية الحديثة، ويشرف على الدار مجموعة من الاختصاصيات الاجتماعيات والنفسيات، والمدرسات المتخصصات في عدة مجالات.

أنواع العنف
للعنف أنواع كثيرة وعديدة، منه المادي المحسوس والملموس النتائج، الواضح على الضحية، ومنه المعنوي الذي لا نجد آثاره في بادئ الأمر على هيئة الضحية، لأنه لا يترك أثراً واضحاً على الجسد وإنما آثاره تكون في النفس.
وفيما يلي استعراض لأنواع العنف مع ذكر أمثلة عليها:
العنف المادي
1. الإيذاء الجسدي:
وهو كل ما قد يؤذي الجسد ويضره نتيجة تعرضه للعنف، مهما كانت درجة الضرر.
2. القتل:
وهو من أبشع أنواع العنف، وأشدها قسوة، ولعل معظمها يكون دفاعاً عن الشرف، ويكاد هذا النوع من العنف أن يكون منعدماً في مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك لطبيعته المحافظة.
3. الاعتداءات الجنسية:
إذا عد القتل من أبشع أنواع العنف، فأعتقد أنه لا يوجد أبشع ولا أفظع من الاغتصاب، فبالقتل تنتهي حياة الضحية بعد أن يتجرع الآلام والمعاناة لفترة محدودة، أما في الاغتصاب فتتجرع الضحية الآلام النفسية، وتلازمها الاضطرابات الانفعالية ما قدر لها أن تعيش.
العنف المعنوي والحسي
1. الإيذاء اللفظي:
وهو عبارة عن كل ما يؤذي مشاعر الضحية من شتم وسب أو أي كلام يحمل التجريح، أو وصف الضحية بصفات مزرية مما يشعرها بالامتهان أو الانتقاص من قدرها.
2. الحبس المنزلي أو انتقاص الحرية:
وهو أمر مرفوض كلية لأن فيه نوع من أنواع الاستعباد، وسيدنا عمر بن الخطاب يقول ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ).
والحبس المنزلي قد يشيع لدى بعض الأسر وذلك اتقاء لشر الضحية لأنه قد بدر منه سلوك مشين في نظر من يمارس العنف. وربما هذا النوع من العنف المعنوي يمارس ضد النساء والفتيات، حتى وإن لم تكن هناك أسباب داعية لممارسته.
3. الطرد من المنزل:
إن كان النوع السابق يمارس ضد الإناث فهذا النوع من العنف يمارس ضد الذكور وذلك لاعتبارات اجتماعية تميز المجتمعات العربية عن غيرها، وهذا النوع من العنف يعد الطلقة الأخيرة التي يستخدمها الأبوان عند عدم التمكن من تهذيب سلوك الابن الضحية.

ضحايا العنف
عند الحديث عن العنف يجدر بنا الإشارة للفئات المتضررة من العنف أو التي تسمى بضحايا العنف، وهم بطبيعة الحال الفئة الضعيفة بين أفراد الأسرة وغالباً ما تحتاج لرعاية خاصة، وفيما يلي أبرز الفئات التي تتعرض للعنف الأسري.
الأطفال:
هم من أبرز الفئات تعرضاً للعنف لأنهم الأكثر ضعفاً، كما أنهم من أكثر الفئات حاجة للرعاية والاعتناء.
النساء:
نظراً لطبيعة المرأة الضعيفة ولرغبتها المستمرة في التضحية حفاظاً على كيان أسرتها، وأسس بيتها نجدها تقبل بالتنازل عن حقوقها وترتضي أن تكون ضحية للعنف الأسري حفاظاً على الأبناء بالذات، ولعل أبرز أنواع العنف الذي تتعرض له المرأة في دولة الإمارات هو العنف المعنوي على يد الزوج، وذلك بناء على الحالات التي ترد لدار التربية للفتيات، ونتيجة الدراسات التي تقوم بها الاختصاصيات النفسيات والاجتماعيات، ويتمثل العنف المعنوي الممارس ضدهن في التهميش، أو التجريح.
المعاقين:
ن القدرات الكامنة والطاقات المتوهجة في هذه الفئة تتعطل كثيراً بظلمهم وتهميشهم وعدم المبالاة بهم و تحقيرهم، وعزلهم عن المجتمع الخارجي لخجل أسرهم منهم، وهم يعانون بذلك نتيجة العنف المعنوي الممارس ضدهم، وهذه الفئة قد تعاني نوعين من العنف، العنف الأسري بين أفراد أسرهم محضنهم الدفيء، والعنف المؤسسي بين طاقم المؤسسة التي من المفترض أن ترعاهم بعناية خاصة لأنهم فئات خاصة.
المسنين:
هم الأكبر سناً بين أفراد الأسرة وممن يحتاجون للرعاية والاهتمام لضعفهم الجسدي والذهني، ولعلهم الأجدر بذلك الاهتمام لأنهم أدوا ما عليهم من واجبات تجاه أفراد أسرهم ويرون أنه من حقهم المطالبة بالعناية والاهتمام كرد للجميل، ولكن الحاصل أنهم يعانون من عدم الاهتمام من المجتمع المحيط بهم ومن أسرهم بالذات، كما إنهم يعانون من التهميش، وهذه الفئة أيضاً تقع تحت طائلة نوعين من العنف، العنف الأسري، والعنف المؤسسي.

الدراسات السابقة
بالرغم من ندرة الدراسات والبحوث التي تناولت العنف الأسري إلا إننا لا يمكن أن نتجاهل ما تم تناوله في هذا المجال، وماله من آثار إيجابية من عرض وتحليل للعنف الأسري، بالإضافة للتوصيات المبنية على النتائج المتوصل إليها، وفيما يلي استعراض لأهم هذه الدراسات:
1. العنف في مجتمع الإمارات دراسة ميدانية على طلاب جامعة الإمارات العربية المتحدة، إعداد د. محمد المطوع وأ. طه حسين.
2. العنف الأسري، دراسة ميدانية إعداد عفراء الدرمكي، وهي دراسة ميدانية لم توضح خلالها خصائص العينة التي أجريت عليها الدراسة من عمر وجنس ومستوى تعليمي، كما لم توضح المجتمع الذي ينتمون إليه.
3. دراسة ميدانية على عينة من المجتمع المصري لظاهرة العنف وأسبابه، إعداد الدكتور عبدالرحمن محمد العيسوي.
4. العنف في الأسرة: تأديب مشروع أم انتهاك محظور، للدكتور عدلي السمري، وقد صدر عن دار المعرفة الجامعية في مصر 2001م، وقد أجريت الدراسة الميدانية على (200) أسرة.
5. العنف العائلي، إعداد الدكتور مصطفى عمر التير، وهي عبارة عن دراسة ميدانية على عينة من المجتمع اللبناني (49) وعينة أخرى من المجتمع الليبي (55)
6. العنف العائلي، أليسا دلتافو، ترجمة نوال لايقة، منشورات دار المدى، دمشق، سوريا 1999م، وتعتبر هذه الدراسة مهمة جداً لاحتوائها على معلومات وإحصائيات جاءت بأسلوب سلس، كما أن الكاتبة عايشت المتعرضات للعنف من النساء.
7. العنف الأسري دوافع وحلول: تأليف حميد البصري، الناشر دار المحجة البيضاء.
8. التربية والتعليم والعنف المدرسي، د. ألين دمعة صعب، منشورات على الموقع www.ssnp.info
9. الدراسة التي أجرتها منظمة الصحة العالمية على 24ألف سيدة من 10 دول واستغرقت 7 سنوات، ونشرتها عشية الاحتفال باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة في نوفمبر 2005م، وذكرت أن واحدة من بين كل ست نساء في العالم تعاني من العنف المنزلي، وبينت الدراسة أن غالبية النساء لا يبلغن أحداً بما يعانينه من عنف من قبل أزواجهن، في حين تتعرض نسبة تتراوح 4 – 12% من النساء للضرب أثناء الحمل. وأوردت الدراسة أن من أهم نتائج العنف المنزلي ضد النساء محاولة الانتحار والاكتئاب الطويل.

وفيما يتعلق بالدراسات المحلية حول العنف الأسري، فقد أجريت بعض الدراسات حول العنف الأسري في المجتمع الإماراتي، وتناولت العينة المختارة من كل دراسة مجموعة من المستهدفين ليس فقط من الإماراتيين وإنما ممن يعيشون على أرض الإمارات، الدراسة الأولى كانت بعنوان (العنف في مجتمع الإمارات)، وهي عبارة عن دراسة ميدانية أجريت على طلاب جامعة الإمارات، عرضت في ندوة العنف: دراسات في الأسباب والنتائج، بإمارة الشارقة في 15/ 12/ 2004م، وهي من إعداد الدكتور محمد المطوع والأستاذ طه حسين والأستاذة منى السويدي.

خصائص العينة:
تناولت العينة (269) طالباً وطالبة، بنسبة متساوية تقريباً، حيث بلغ عدد الذكور (132) بنسبة 49%، وعدد الإناث (137) بنسبة 51%، وهم من عدة كليات مختلفة في جامعة الإمارات، ومعظم أفراد العينة من أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة (237)، ويمثلون نسبة عالية حيث بلغت 88%، أما أفراد العينة من دول الخليج العربي فقد بلغت (12) أي بنسبة5ر4%، و(16) طالباً وطالبة يمثلون باقي الدول العربية وبنسبة 9ر5% من مجموع العينة، ويمثل الجنسيات الأخرى (4) أي بنسبة 5ر1%.
وقد تراوحت السنة الدراسية لأفراد العينية بين السنة الثانية والسادسة، والفئة العمرية بين 18 و 30 سنة.
كما تناولت الدراسة المستوى التعليمي لكل من الوالدين، ومدى كفاية الدخل الأسري.

نتائج الدراسة الميدانية:
أظهرت الدراسة الميدانية أن 5ر33% من أفراد العينة تعرضوا للعنف، وإن نسبة الإناث كانت أكثر من نسبة الذكور في تعرضهن للعنف، هذا بالنسبة للتعرض للعنف بشكل عام.
أما بالنسبة لنوع العنف الذي تعرضوا له فقد بينت الدراسة أن الضرب يأتي في المرتبة الأولى، حيث بلغت نسبته 6ر45%، يليه الشتم وبنسبة 30%، ومن ثمّ الشتم والضرب معاً بنسبة 4ر14%، وأخيراً الحرمان حيث بلغت نسبته 8ر7%، وانخفضت نسبة الاعتداء الجسدي وهذا مؤشر جيد حيث أن مجتمع الإمارات يكاد لا يكون فيه هذا النوع من العنف المستخدم ضد أفراد العينة.
كما وضحت الدراسة أن الذكور أكثر تعرضاً للضرب من الإناث، بينما الإناث الأكثر تعرضاً للشتم، أما بالنسبة للحرمان فقد تساوت نسبة الذكور مع الإناث.
وأما عن المراحل التي تعرضوا فيها للعنف فأظهرت الدراسة أن مرحلة الطفولة هي المرحلة الأكثر عرضة للعنف بنسبة 1ر49%، تليها مرحلة المراهقة 6ر26%، وتنخفض النسبة في مرحلة الشباب، ولكن هذا لا يعني أن من تعرض للعنف في مراحل حياته الأولى لن يؤثر هذا على سير حياته.
ومن هنا كان لابدّ للدراسة أن تطرح التساؤل التالي: ممارسة العنف ضد الآخرين والذي أظهرت الدراسة نتائجه التالية: 7ر38% من أفراد العينة مارسوا العنف ضد الآخرين، ومن هذه النسبة نجد أن الإناث مثلت 8ر35%، بينما ترتفع هذه النسبة عند الذكور لتصل إلى 7ر41%، مما يوضح أن نسبة تعرض الذكور للعنف ونسبة ممارستهم له تفوق نسبة الإناث.

كما نشرت جريدة البيان في عددها (9277) والصادر بتاريخ 11/ 11/ 2005م ملخصاً عن الدراسة الميدانية التي أعدتها إدارة مراكز التنمية الاجتماعية بالشارقة والتي توصي بإستراتيجية لمواجهة العنف ضد المرأة، وكانت العينة المختارة هن النساء المواطنات والوافدات واللواتي تتراوح أعمارهن بين (17-38) سنة، وقد أوصت الدراسة بالأتي:
1. ضرورة صياغة أسس عامة لسياسة شاملة لمواجهة العنف ضد المرأة.
2. وضع خطط وتوجهات في مجال التشريع والممارسات اليومية.
كما دعت الدراسة إلى وضع برنامج لمكافحة العنف ضد المرأة بالتعاون مع الجهات ذات الاختصاص والمنظمات الدولية والمنظمات النسائية، وإنشاء مركز لحماية وتأهيل النساء والفتيات ضحايا العنف الأسري، بالإضافة لضرورة إعداد البحوث والدراسات لمعرفة الدوافع الحقيقية للعنف الأسري، والعوامل المسببة لعدم إبلاغ الضحايا من النساء والفتيات عن جرائم العنف التي ترتكب ضدهن.

وأكدت الدراسة على أهمية إصدار كل الإحصائيات الرسمية في جميع المجالات مصنفة حسب الجنس لتسهيل الحصول على المعلومات الدقيقة المتعلقة بالمرأة، مع تأمين الدفع الفني والمالي لإجراء الدراسات الاستقصائية حول حجم مشكلة العنف ومدى انتشارها وأسبابها وآثارها.
ونوهت الدراسة بضرورة وضع البرامج والآليات الوقائية والعلاجية لمعالجة مشكلة العنف الأسري بشكل عام، والعنف الموج�� ضد المرأة بشكل خاص، مع مراعاة تعيين طبيبات شرعيات متخصصات في الطب الشرعي لفحص ضحايا جرائم العنف المتهمات بجرائم الشرف، إلى جانب تعيين طاقم طبي نفسي للفحص على المرأة قبل تعرضها للفحص الجسدي مراعاة لوضعها وظروفها وتكوينها.

كما بينت الدراسة أن أسباب العنف الموجة للمرأة يعود إلى:
o o زيادة الاختلاط بالأجانب.
o o تفريغ الضغوط الخارجية التي يتعرض لها الزوج في زوجته.
o o الظروف المعيشية القاسية.
o o تناول المسكرات.
o o تدخل الأهل في الشئون الأسرية.
o o أسلوب بعض النساء المتمثل في التسلط والعناد.
o o المبادئ التي تربى عليها بعض الرجال منذ الصغر كالتعود على العنف، وعدم احترام الآخرين، وعدم تمكنه من تلبية الحاجات الأسرية الأساسية، مما ينعكس على سلوكه النفسي والاجتماعي.
o o الجهل بأسس الحياة الزوجية والحقوق والواجبات المترتبة على الزوجين.
o o تفشي الأمية.
o o تدني المستوى التعليمي، حيث بينت الدراسة أن أصحاب المؤهل الإعدادي هم الأكثر من بين أفراد العينة بنسبة تصل إلى 30%، بينما تنخفض النسبة عند أصحاب المؤهل فوق الجامعي لتصل إلى 2%.
o o كما أظهرت الدراسة أن76% من النساء غير منتسبات إلى الجمعيات أو المنظمات النسائية.

إذن بعد هاتين الدراستين اللتين طبقتا حديثاً على أفراد في المجتمع الإماراتي – سواء من أبناء الإمارات أو ممن يعيشون على أرضها- نجد أن العنف الأسري بدأ يظهر كمشكلة اجتماعية وليس ظاهرة منتشرة، ولكن هذا لا يعني أن نقف مكتوفي الأيدي حتى تبلغ هذه المشكلة مرحلة يصعب السيطرة عليها.
وقبل أن نذكر سبل الوقاية من العنف الأسري، نستعرض شيئاً منه في المجتمع الإماراتي.

ظواهر من العنف الأسري
بدأت في الآونة الأخيرة تظهر بوادر للعنف الأسري في المجتمع الإماراتي كمشكلة سلوكية، متخطية بذلك قيم وأعراف المجتمع الإماراتي، وخاصة الأسرة الإماراتية لأنه يمس كيانها واستقرارها وأمنها. ويتحدد المتضررين أو الضحايا للعنف الأسري – غالباً- في النساء والأطفال. وقد بدأ الإعلام المحلي بالتعرض للعنف الأسري سواء كان ذلك بعرض وتحليل ما أعد من بحوث ودراسات أو بإجراء اللقاءات مع الضحايا أو عرض لبعض وقائع العنف الأسري.
ومن الحوادث التي برزت بقوة على مستوى المجتمع ما عرضه تلفزيون دبي مساء يوم الأحد الموافق 13/ 11/ 2005م لحادث تعرض طفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات للعنف على يد مربيتها الأجنبية، فقد كانت هذه المربية تقوم بضرب الطفلة والصراخ في وجهها وتهديدها المستمر وأخيراً تعليقها من رجلها لنقلها من مكان لآخر، كل هذا لأن الطفلة كانت تطلب حاجاتها الضرورية من المربية – في غياب والديها- مما اعتبرته المربية إزعاجاً لها في متابعة أحد البرامج التلفزي��نية، وقد تم رصد هذه الحالة نتيجة وضع الأسرة آلة لتصوير ما يحدث في المنزل نتيجة تكرار شكوى الطفلة من سوء معاملة المربية لها.

كما نشرت جريدة (الإمارات اليوم) في عددها الصادر يوم الأحد الموافق 6/ 11/ 2005م في صفحة محليات تحقيقاً حول العنف الأسري، وفد سلط التحقيق الضوء على مجموعة من السيدات تعرضن للعنف الأسري على يد أزواجهن فلم يجدن ملجأ لهن غير منزل لإحدى السيدات قد خصصته لإيواء ضحايا العنف الأسري من النساء، ويأوي هذا المنزل العديد من النساء من جنسيات مختلفة ويقدم لهن الأمن الذي افتقدنه من أسرهن، وقد ساعدت هذه السيدة (250) امرأة لمواجهة تلك الإساءات.
كما حدث في إحدى مدارس التعليم الأساسي، أن معلمة تطلب من أحد تلاميذها أن يكتب، فيرفض ويداري كفيه وهو يتألم، فاقتربت منه لتستطلع الأمر فإذا بها تفاجأ بتقيح كفيه نتيجة تعرضه لحروق بليغة على يد والدته، تم إبلاغ الجهات المختصة فما كان منها إلا أن أخذت تعهداً على الأم بعدم تعريضه للتعذيب مرة أخرى. ناهيك عن الحروق النفسية التي تتركها مثل تلك الحادثة في الطفل.

أما مجلة الصدى فقد ذكرت في عددها (262) والصادر في أكتوبر لسنة 2004م، موضوعاً تحت عنوان (وقائع غريبة في قاعات المحاكم – رجال يطلبون الحماية من زوجاتهم )، وفحوى الموضوع تقدم أحد الأزواج بدعوى أمام محاكم إمارة دبي يطالب فيها زوجته بأن تحسن عشرته، وتعامله معاملة طيبة، وتتوقف عن ضربه بالحذاء، وعند التأمل في تلك الحادثة تبين أن ما دعا الزوجة لارتكاب مثل هذا الأمر بحق زوجها هو ما يلي:
1. انعدام الوازع الديني.
2. هي الزوجة الثالثة، ووجود فارق في السن يناهز العشرين عاماًً.
3. عدم قدرته على القوامة.
وهذا جزء من قمة جبل الجليد مما وصل للإعلام، لذا لابدّ من وضع خطط مدروسة وسن قوانين تحمي أفراد المجتمع من العنف الأسري الذي يتعرضون له، لما له من انعكاسات سلبية على الذات الإنسانية.

نتائج العنف من الواقع المحلي
بعد أن تعرفنا على ضحايا العنف يجدر بنا أن نلقي الضوء على السلوك المتوقع أو ردة فعل الضحية، فلكل فعل ردة فعل وهي قاعدة علمية حقيقية منطبقة على الواقع، وردود الفعل أحياناً قد يتأذى منها الضحية ذاته، ولكن يبقى الهدف إلحاق الضرر بمن مارس ضده نوع من أنواع العنف، وفيما يلي بعضاً من الحالات التي أصابها الكثير من الضرر بمقابل أن تنتقم ممن تعرضت على يديه لعنف ما.
الحالة الأولى:
فتاة تبلغ من العمر تسعة عشرا ربيعا في المرحلة الثانوية من دراستها، وهي متفوقة دراسياًً، خُطِبت مرتين، وتم الرفض من قبل والدها دون توضيح الأسباب، مصادراً بذلك رأيها وحريتها، بل أدنى حق لها وهو اختيار زوج المستقبل، وممارساً ضدها أقسى أنواع العنف المعنوي مما انعكس على سلوكها الاجتماعي والأخلاقي ومستواها الأكاديمي، ودفعها الواقع الذي تعيشه إلى ارتكاب الفاحشة، الأمر الذي عرّضها لنوع آخر من العنف وهو الضرب والكي بالنار وتقييد القدمين والرجلين وحبس الحرية دون أن يعالج الموقف، فكانت ردة فعلها تكرار الهروب من المنزل، والانخراط في وحل الرذيلة، وممارسة الفاحشة في منزل ذويها – أحياناً- على حين غفلة منهم ومع عدة أشخاص، مما أدى لإلقاء القبض على الفتاة بتهمتي التغيب عن المنزل وممارسة الفاحشة، وتم إيداعها في المؤسسات ذات الاختصاص. ومما يجدر الالتفات إليه ما ذكرته بأنها أقبلت على هذا الأمر وهي تعلم عواقبه، مضحية بذلك بنفسها وبمستقبلها، ولكن ما هذا بالأمر المهم، فالمهم لديها أن تحرق قلب والدها كما حرق قلبها.

الحالة الثانية:
لقد فرض أخاها سيطرته عليها، ومارس ضدها العنف الجسدي والمعنوي، مما جعلها تضجر من الحياة في البيت، ولا يوجد من تلجأ إليه، فهذا – في عرفهم – أمر جائز كونه الأخ الأكبر وله الحق في تربيتها على الوجهة التي يراها صائبة.
فقررت الانتقام من شقيقها ولكن بطريقتها الخاصة مهما كلف الأمر، فبدأت بتكوين علاقة مع أحد الشباب لتفضح شقيقها عندما يعلم، وتطور الأمر ومارست معه الفاحشة، والنتيجة إلقاء القبض عليها وإيداعها في إحدى المراكز المختصة، فصرخت بأعلى صوتها وهي موجودة في الدار: الآن فقد ارتاحت نفسي، حيث صفعت أخي على وجهه وفضحته بين الناس، ليذوق المرارة والألم والأسى، كما أذاقني إياهم.

الحالة الثالثة:
طفلة في الثانية عشرة من ربيع العمر، اغتصبت من قبل أحد أصدقاء أمها حيث كانت الأم في حالة سكر تام، وعندما أفاقت الأم واكتشفت الأمر طالبت من الجاني أن يدفع لها مبلغاً من المال (5000) درهم إماراتي، مقابل السكوت عن الأمر وعدم رفعه للجهات المختصة، وبعد ذلك مارست الأم على ابنتها أبشع أنواع العنف المعنوي حيث أخذت تتاجر بشرف ابنتها من خلال شبكة الدعارة التي كانت تديرها. والنتيجة كانت حرمان الطفلة من حريتها وإدخالها في المراكز المختصة.
هذه بعضاً من الحالات التي سميت بحسب القانون (أحداث جانحين) دون النظر لكونهم قد تعرضوا لأنواع مختلفة ومتعددة من العنف دفعت بهم لهاوية الانحراف بهدف الانتقام ، ونجد هنا علاقة وثيقة بين العنف والانحراف، بل هو المسبب الرئيسي له.

تجارب محلية
دار التربية للفتيات بالشارقة مؤسسة اجتماعية تربوية تتبع وزارة العمل والشئون الاجتماعية، وتُعنى بعلاج حالات جنوح الأحداث من الفتيات ووقاية المعرضات منهن للانحراف من خلال تقديم الرعاية الاجتماعية والنفسية والتعليمية والمهني�� بالإضافة إلى التوعية المجتمعية، وقد تم افتتاح الدار في 13/10/2003م بهدف إيواء الفتيات المنحرفات، ولكن رسالة الدار كانت أكبر من ذلك وقد سعت لترجمة هذا الدور الذي أنيط بها لواقع ملموس.
فهي ليست مجرد مأوى للأحداث المنحرفين فحسب، وإنما تعتبر بداية لمحاولة جادة في سبيل تبصير المجتمع وأفراده بالحقوق والواجبات من خلال نشر الوعي الخُلقي والاجتماعي والتربوي بين أفراد الأسرة، مبتدئين بنطاق محيط الإمارة التي تم إنشاء الدار فيها وهي إمارة الشارقة، وقد تم اتخاذ كل السبل المتاحة في سبيل نشر التوعية المخطط لها ضمن رؤية الدار ورسالتها ووفق الأهداف التي من أجلها تم إنشاء الدار.

وقد كثفت الدار في الآونة الأخير من التوعية المجتمعية لمّا اتضح لها أن جنوح الأحداث وانحرافهم ناجم عن العنف الذي تعرضوا له سواء كان عنفاً معنوياً أو مادياً.
وأخذت دار التربية للفتيات تدرس أهم الأسباب التي أدت إلى العنف والذي نتج عنه جنوح الأحداث من خلال البحث الاجتماعي الذي يطبق على الحالات الواردة للدار، ووجد أن الأسباب تبلورت في الآتي:
o o ضعف الوعي الديني والثقافي.
o o تدني المستوى الاقتصادي للأسرة، مما يدفع ببعض أفرادها لتفريغ شحنات معاناتهم السلبية نتيجة الضغوط المعيشية، فتكون النتيجة تعرض بعض أفراد الأسرة للعنف.
o o تدني المستوى التعليمي للأبوين مما يؤدي لانعدام الوعي بشتى أنواعه.
o o الظروف الأسرية كتعدد الزوجات، والزواج من غير المواطنات، مما يشعر الأبناء بالدونية، فيدفعهم – عادة- للتمرد الذي يترتب عليه بطبيعة الحال التعرض للعنف، وخاصة من قبل الأم لأنها ترى أنه قد أهانها بهذا السلوك. بالإضافة لزواج كبار السن من فتيات صغيرات.
o o مصادرة حريات الأبناء وخاصة الفتيات وحرمانهن من أبسط الحقوق.
o o تسلط الأشقاء الذكور.
o o بيئة المدارس الطاردة.
o o رفقة السوء.

الأسباب السابقة هي الأكثر شيوعاً بالنسبة للمجتمع الإماراتي، وبناء على هذه النتائج التي تم التوصل إليها حددت دار التربية للفتيات أهدافها ووضعت الخطط التشغيلية لتنفيذ ما تراه مناسباً بهدف الحد من ظاهرة العنف الأسري، وفق رؤية الدار ورسالتها بما يتوافق وأهداف وزارة العمل والشئون الاجتماعية، حيث تم التركيز على تحقيق الأهداف والمشاريع التالية للمساهمة في الحد من العنف الأسري:
1. توعية أفراد المجتمع بالتعاون مع المؤسسات المجتمعية وخاصة العاملين بالمدارس، وذلك بإقامة المحاضرات والدورات وتوزيع النشرات التوعوية، وإقامة المعارض، والمهرجانات الترفيهية.
2. وضع دراسة للمساعدات المالية بالتعاون مع المؤسسات ذات الاختصاص بهدف الحصول على بعض المساعدات المالية أو العينية لرفع الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها الأسرة، مما يولد لدى بعض أفرادها الاتجاه العدواني أو ممارسة العنف.
3. دراسة مشروع التوظيف المهني بالتعاون مع مؤسسات المجتمع لتوفير مهن أو وظائف تكفل الحياة الكريمة لأفراد الأسرة.
سبل الوقاية

لتحري الدقة والأمانة العلمية فقد تم وضع سبل الوقاية من العنف الأسري من خلال استطلاع رأي (59) شخصية يمثلون شرائح مهمة في المجتمع الإماراتي، ممن يهتمون بشئون الأسرة في كل المجالات التربوية والاجتماعية والصحية والأمنية، وذلك بوضع آرائهم ومقترحاتهم حول السبل التي يجب أن تتبع للحد من ظاهرة العنف الأسري، ولكن نتائج الاستطلاع كانت تدور حول محاور محددة اتفق أصحابها في الرأي مع اختلاف الصياغة اللغوية، وكانت المحاور التي دارت حولها نتائج الاستطلاع هي:
1. الالتزام الديني.
2. الأسرة.
3. الإعلام.
4. المدرسة.
5. مؤسسات المجتمع غير الحكومية.

أولاً: الالتزام الديني:
رأت غالبية العينة أن أهم الحلول تكمن في الالتزام بتعاليم الإسلام والأخذ بتعاليمه السمحة وتطبيقها في الحياة الأسرية، سواء كان ذلك على صعيد اختيار الزوجين، أو تسمية الأبناء، أو تربيتهم والتعامل معهم، أو احترام الأبوين، وجعل الإسلام هو دين للحياة وليس للعبادات فقط، مع ضرورة وتوضيح مقصد الشرع من الآيات والأحاديث التي ورد فيها ذكر الضرب حتى لا تستغل باسم الإسلام.

 ثانيا:ً الأسرة:
لكون الأسرة هي النواة الأولى في التنشئة وإكساب أفرادها السلوك القويم، فقد وقع على كاهلها العبء الكبير، حيث إنها مطالبة بعدة مسئوليات، وفي عدة مجالات لحماية أفراد الأسرة من العنف، ومن تلك لامسئوليات:
o إتباع الأساليب الواعية في التحاور بين أفراد الأسرة.
o المساواة في التعامل مع الأبناء.
o إشباع احتياجات الأبناء النفسية والاجتماعية والسلوكية، وكذلك المادية.
o المشاركة الحسية والمعنوية مع الأبناء، ومصادقتهم لبث الثقة في نفوسهم.
o التقليل من مشاهدة مناظر العنف على أجهزة التلفزة.
o عدم الاعتماد على المربيات في إدارة شئون الأسرة.
o الحد من ظاهرة تعدد الزوجات، وخاصة الأجنبيات.
o غرس القيم والمبادئ والأخلاق في نفوس الأبناء منذ الصغر.
o متابعة الأبناء وتوجيه سلوكهم.
o تنمية المهارات الإبداعية والمواهب الدفينة لدى الأبناء.
o تنمية العواطف الكامنة من حب الوطن والمجتمع والانتماء إليهما.
o حسن العشرة بين الأبوين، والحد من ظاهرة الطلاق.
o الاعتناء بثقافة ربة البيت.

 ثالثاً: الإعلام:
للإعلام دور مهم في توجيه السلوكيات وتقويمها، وقد رأت العينة التي تم استطلاع رأيها أن دور الإعلام يتبلور في الآتي:
o تخصيص قنوات إعلامية تساعد الأسرة في تخطي العنف الأسري.
o o الاستفادة من الفواصل الإعلانية لبث رسائل توعوية.
o o نشر الثقافة الأسرية حول احترام الجنس الآخر، مع تعريف الرجل بحقوق المرأة.
o o تدريب الأسرة على كيفية مواجهة المشكلات، مع توعية الأمهات بضرورة مراعاة المراحل العمرية للطفل من خلال البرامج الموجهة.
o o الكشف عن الأسباب التي تؤدي للعنف مع الوقاية منه.
o o تسليط الضوء على العنف الأسري من خلال الاستشهاد بالأدلة عليه، وتوعية الأسر بنتائجه النفسية والاجتماعية وآثارها السلبية على المجتمع والفرد.
o o طباعة ونشر كتيبات تبين الآثار النفسية للعنف على الأطفال.

رابعاً: المدرسة:
لم يعد دور المدرسة قاصرا على التعليم خاصة ونحن في حقبة زمنية تمكن الإنسان فيها من معالجة المعلومات بهدف التعلم من خلال وسائل الاتصال المختلفة، لذا لابدّ أن يكون للمدرسة دور بارز في التوعية المجتمعية وتوجيه السلوك لدى الأفراد من خلال ما تعده من برامج وتتبناه من مشاريع، وبين استطلاع الرأي أن العينة ترى دور المدرسة في الوقاية من العنف الأسري يتبلور في ما يلي:
o الاهتمام بتوعية الآباء والأمهات من خلال طرح القضايا المجتمعية وإيجاد الحلول الناجعة.
o محاربة السلوكيات الدخيلة على المجتمع.
o إبراز أهمية العمل التطوعي.
o المساهمة بتقديم التبرعات.
o المساهمة بالأفكار والآراء للحد من البطالة.
o تقديم المقترحات المقننة للحد من ظاهرة العمالة الوافدة.

خامساً: المؤسسات الحكومية
أما المؤسسات الحكومية غير سالفة الذكر فتقع عليها بعضاً من المسئوليات كل حسب اختصاصه، وقد تمثلت الأدوار المناطة بهم في الآتي:
o o تخصيص مواقع على الإنترنت لتقديم الاستشارات الأسرية.
o o تقديم الخدمات القانونية.
o o سن القوانين لحماية الأسرة وأفرادها من العنف الأسري، ومتابعة تنفيذها.
o o الحد من البطالة ومالها من آثار سلبية.
o o الحد من ظاهرة العمالة الوافدة، خاصة تلك التي لا ترتبط بثقافتنا العربية والإسلامية.
o o تسخير وسائل الاتصال لتوعية الأسر وتبصيرها بالعنف الأسري من خلال الرسائل القصيرة.
o o إلزام المقبلين على الزواج بضرورة خضوعهم لدورات تدريبية حول تربية الأبناء، والعلاقات الزوجية والأسرية.
o o تأهيل المتزوجين وإكسابهم مهارات اتخاذ القرار وحل المشكلات.
o o إقامة الدورات التدريبية للأبوين حول السيطرة على الانفعالات الجسدية والنفسية واللفظية.
o o إيجاد مراكز للمتضررين من العنف الأسري للاهتمام بقضاياهم و لحمايتهم وإعادة تأهيلهم.
o o توضيح القوانين والعقوبات لدى الأفراد على مستخدمي العنف ضد الأبناء.
o o ضرورة توفير دور حضانة في مقار عمل الأمهات تحت إشراف الجهات المختصة.
o o ضر��رة وجود اختصاصيين نفسيين واستشاريين اجتماعيين للعناية بشئون الأسرة.
o o التواصل مع المراكز الأسرية المختلفة لتبادل الخبرات والطاقات.

نجد من نتائج استطلاع الرأي أن سبل وقاية الأسرة من العنف الأسري واجب وطني تجتمع فيه جميع مؤسسات المجتمع الرسمية الأهلية، وكذلك الأفراد.
أما عن الطرق المتبعة في الحد من العنف الأسري فرأت العينة أن التوعية الدينية والاجتماعية والفكرية والثقافية والقانونية، بالإضافة لتبصير أفراد المجتمع بالحقوق التي يتمتعون بها والواجبات المكلفين بها من أفضل السبل للحد من هذه الظاهرة، على أن تأخذ هذه التوعية أشكالاً عدة متمثلة في التدريب وورش العمل والتأهيل والمحاضرات والكتيبات والنشرات بالإضافة لعقد المؤتمرات والندوات مستفيدين من كل الوسائل المتاحة كأجهزة الإعلام والاتصال بالإضافة لمؤسسات المجتمع الحكومية وغيرها.

التوصيات والخلاصة
بعد النتائج التي تم التوصل إليها من خلال استطلاع الرأي للشريحة الاجتماعية المستهدفة، إضافة لما ورد في مواقع أخرى من تلك الورقة، فإن أبرز التوصيات هي ما يلي:
1. نشر الوعي الديني من خلال وسائل الإعلام والمناهج الدراسية ومراكز التوجيه في المجتمع.
2. رصد مظاهر العنف الأسري من خلال مؤسسات متخصصة، والعمل على تحليلها والتعامل معها بصورة علمية وفق النظريات التربوية والاجتماعية.
3. التنسيق بين المؤسسات المجتمعية في سبيل معالجة ظواهر العنف الأسري ومحاصرة أسبابه.
4. رعاية ضحايا العنف الأسري من خلال مؤسسات الرعاية الاجتماعية الرسمية والأهلية، تحسباً لاستفحال أدوار غير إيجابية لهم في المستقبل.
5. إطلاق مشروعات مجتمعية توفر الخدمات الاجتماعية والمادية والمعنوية للأسر ذات الاحتياجات الخاصة، والتي يمكن أن تكون مصدراً للعنف الأسري.
ورقة عمل مقدمة من دار التربية للفتيات /الشارقة في المؤتمر العربي الإقليمي لحماية الاسرة الذي عقد في الاردن خلال الفترة 13-15 كانون أول 2005

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock