مقالات

كيف يؤثر أفيون العقول على الانفعالات البشرية؟

Advertisement

كيف يؤثر أفيون العقول على الانفعالات البشرية

هل يمكنك أن تتغاضى عن جريمة شخص ما، وليكن السرقة أو القتل مثلًا، إذا كان هذا الشخص جميلًا؟ ربما تكون الإجابة الجاهزة لديك بالنفي القاطع، ولكن ما رأيك في ذلك الشاب المدعو كارمن هيرن، الذي قتل أمًا وابنها في حادث سيارة بعد ما دهسهما بسيارته التي كانت تسير بسرعة 160 كم/ساعة؟ لقد أثارت محاكمة هذا الشاب ردود أفعال غريبة منها من طالب بتخفيف الحكم على هذا الشاب لمجرد وسامة ملامحه! وذلك يثير تساؤلًا حول ما يفعله بنا الجمال، وما إذا كان قادرًا على تعطيل الحس الأخلاقي، والعدالة، بل والسعي إلى الحقيقة نفسها.

الجمال، كيف نفهمه فلسفيًا؟

إن النقاش الذي دار حول ذلك الشاب ليس غريبًا، فطالما كان مفهوم الجمال متشابكًا في التاريخ الفلسفي مع الغايات النهائية للوجود البشري، جنبًا إلى جنب مع الحقيقة والقيمة والفضيلة. تنوعت تعريفات الجمال بتنوع التاريخ الفلسفي والمدارس التي تناولته، يعتبر ا��بعض الجمال صناعة بشرية إبداعية، وبعضهم لا ينكر الجمال في الكائنات الطبيعية خارج مجال الإبداع البشري، فماذا قال الفلاسفة بشأن الجمال؟

المفهوم الكلاسيكي

نشأ المفهوم الكلاسيكي للجمال منذ العصر الروماني. ويعتبر الشيء جميلًا إذا تآلفت عناصره وترتبت إلى وحدة كلية مترابطة، تبعًا للنسبة والانسجام والتناظر وغيرها من المفاهيم الشبيهة بذلك. لقد كان المفهوم الكلاسيكي برعم المفاهيم الغربية عن الجمال، ويتجسد في المنتجات الفنية التي أنتجها فنانو هذا العصر من لوحات ومنحوتات وأدب.

يقول أرسطو في هذا الصدد «لكي يكون الشيء جميلًا، يجب على الكائن الحي، أو أي كيان مكون من أجزاء، أن يظهر بدرجة من الترتيب والنظام بين أجزائه».

المفهوم المثالي

يعتبر الجمال في وجهة نظر الفلسفة المثالية، ممثلة في سقراط وأفلاطون، جسرًا بين العالمين المادي والروحاني. كما يتجلى الجمال في الرغبة بالنسبة لسقراط، والرغبة بصورة أساسية لديه تتمثل في الرغبة في اللانهائي، والخلود. وفي هذا المضمار يرى الفيلسوف المثالي الألماني شيلر الجمال، سواءً كان الجمال الذي يخلقه الله أو الجمال الفني الذي يخلقه الإنسان، معبرًا بين المحدود واللامحدود، أو سبيلًا ينتقل بالإنسان من المحدد إلى اللانهائي.

 

الذاتية والموضوعية والجمال الضائع

ربما إذا سمعت سيمفونية بيتهوفن التاسعة شعرت بجمال الموسيقى العبقرية التي ألفها أحد أعظم الفنانين على مر التاريخ، وربما اعترضت على هذا المزعم نافيًا أن يكون بيتهوفن في هذه المكانة، وترى أن تلك الموسيقى ليست بهذا القدر من الجمال. في هذا الإطار يظن كلًا من الشخصين في هذا النقاش أنه يملك الحقيقة، ويتجادلان بشأن مفهوم الجمال نفسه.

الجمال

Advertisement

يقول أحدهما، إن الجمال صفة أصيلة في المنتج، فإما أن تكون هذه الموسيقى جميلة أو قبيحة. أما الآخر فيرى أن المنتج لا يحمل صفات جوهرية خاصة به تجعله جميلًا أو قبيحًا، بل إن الجمال والقبح في إدراك المتلقي «الذوق»، وهو المستمع في حالة الموسيقى. يتعامل الأول مع الجمال بصفته حقيقة موضوعية في العالم الخارجي، فإذا رأيت هذا العمل الفني جميلًا فلأنك ميزت الصفات الجوهرية التي جعلته جميلًا، أما الآخر فيتعامل مع العمل على إدراك المتلقي، فربما يتلقى أحد العمل ويدرك جماله ولا يدركه غيره، وهذا لا يرتبط سوى بإدراك كل منهما.

الجمال الطبيعي والجمال الفني

لم يظهر التفريق بين الجمال في الكائنات الطبيعية والجمال المصنوع في الفن البشري إلا مع فلاسفة العصر الحديث. بصورة أساسية مع كتاب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط «نقد ملكة الحكم». فقد رأى كانط أن مفهوم الجمال حر ومستقل عن المنتجات التي يصنعها البشر، بينما رأى هيجل جمال الفن أعلى من كل الجمال الخارجي. وعلى الجانب الآخر، لم يتفق فيلسوف الحداثة ثيودور أدورنو مع كل من كانط وهيجل، وحاول تفادي الانحياز المسبق الذي وقع فيه الفيلسوفان بالانحياز لنوع ما من الجمال على حساب الآخر.

يدعي بعض الأكاديميين أن هناك فرعين منفصلين للتعامل مع الجمال والفن، فالأول ما يُعرف بالـ«الاستطيقا aesthetics» والثاني هو فلسفة الفن. يتداخل الفرعان في الدراسة الفعلية، فدراسة الاستطيقا تُعنى أيضًا بالتجربة الجمالية وأعمال الفن والأحكام الذوقية. ومنذ هيجل، تغير المفهوم لتكون الاستطيقا مرادفة لفلسفة الفن، لأن هيجل كان أول من ادعى أن الجمال الفني أعلى الصور الجمالية كما ذكرنا.

الجمال والحقيقة والأخلاق

عندما نطلع على التاريخ الفلسفي نقرأ تعريفًا براقًا للجمال، يمدنا به التاريخ الأفلاطوني، والذي تبناه من بعده الفيلسوف أفلوطين واللاهوت المسيحي. فالجمال في هذا التراث كل شيء نسعى إليه لذاته، دون وجود غاية أخرى خلف هذا السعي. فالإنسان يسعى مثلًا للطعام كي يعيش حياة صحية. ولكنه يؤمن بـ[س] لأنها حقيقة، ونرغب في [ص] لأنه خير، وكذلك نتفرس في ملامح [ع] لأنه جميل. فكل تلك الغايات لا تحتاج إلى شيء آخر للسعي لها.

ولكن هل تستمر تلك الغايات الكبرى للحياة الإنسانية بمعزل عن بعضها البعض؟ هذا ما تسائل عنه الفلاسفة، فربما يقع المرء في حب أسطورة معينة فقط لأنها جميلة، ولأنها أسطورة فإنها بالضرورة غير حقيقية، وكذلك من يكون متيمًا بامرأة ما، قد يغض الطرف عن مساوئها الأخلاقية، أو ربما يعطل هو منطومته الأخلاقية ويمارس أفعالًا حرمها على نفسه من قبل لمجرد الوصول إليها. ويكون الجمال في هذه الحالة معارضًا للأخلاق.

إن ذلك يطعن في الجمال بوصفه غاية كبرى مثل الحقيقة والخير، ولسنا في هذا المقال بصدد الحكم على إحدى القيم دون الأخرى، بل نترك الحكم للقارئ، وما علينا سوى أن نفكر معًا في تلك المعضلات الفلسفية بغرض النشاط العقلي.

الجمال والحب

ثمة عقيدة شائعة في التراث الفلسفي، منذ إدموند بيرك، تربط الجمال بالحب والانجذاب، إذ يعبر عن ذلك قائلًا : «إن الجمال هو تلك الخصيصة، أو الخصائص، التي تتسبب في إثارة الحب، أو المشاعر الشبيهة به». فبينما يتعامل بعض الفلاسفة مع الجمال بوصفه قيمة موضوعية كما ذكرنا، لا ينفك آخرون عن اعتباره تجربة ذاتية تقع تحت سطوة حواس المرء، وتتسبب في متعة أو شعورًا بالسكينة والهدوء.

يعتبر أفلاطون الحب غيابًا بحاجة إلى الإشباع، ويتحقق هذا الإشباع عبر الجمال. إن الحب ما هو إلا غياب، وبالتالي يعبر هذا الغياب عن نفسه من خلال الرغبة، وتحتاج الرغبة إلى الإشباع. تحولت النظريات الحديثة عن الجمال من الحصول على المتعة إلى الحب والرغبة، والتي لا تضمن بالضرورة تحقيق المتعة بل السعي المستمر لتعويض الغياب والرغبة.

نادرًا ما توفر الفلسفة إجابات جاهزة على الأسئلة الكبرى، ولكنها تساعدنا على النضوج الفكري والخروج من مسلمة الإجابة الواحدة أو البديهية للسؤال. لقد فكرنا سويًا عبر هذا المقال في الجمال وملابساته المتعددة، وأنت عزيزي القارئ، ما رأيك؟ لربما تكون النظرية الفلسفية الجديدة من إبداعك.

 

فضلا لا أمرا إدعمنا بمتابعة ✨🤩

👇 👇 👇

https://t.me/eduschool40

Advertisement

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock